|   

النسخة: الورقية - دولي

استحوذ النفط على قطاع الطاقة العالمية على مدى القرن العشرين، وحمل دوره في القرن الحادي والعشرين تباينات. وبادر الدكتور ماجد المنيف، أستاذ الاقتصاد ومحافظ السعودية السابق في مجلس محافظي «أوبك»، إلى التطرق للمرحلتين في كتابه الشيق «النفط بين إرث التاريخ وتحديات القرن الحادي والعشرين»، أهداه إلى ذكرى الراحلين فاروق الحسيني ابن القدس، الذي اختاره وزير النفط السعودي المرحوم عبدالله الطريقي ضمن مجموعة محدودة من الخرّيجين العرب للمساهمة في تطوير الصناعة النفطية السعودية، حيث لعب الحسيني دوراً مميزاً في العقدين الأولين لتأسيس منظمة «أوبك»، واستمر في عمله بالوزارة حتى نهاية عقد الثمانينات، وكان مرجعاً اقتصادياً للأجيال الجديدة. كما أُهدي الكتاب إلى ذكرى المرحوم روبرت مابرو، مؤسس معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة ومديره وابن طرابلس اللبنانية، الذي أشرف منذ نهاية السبعينات على بروز مدرسة نفطية فكرية لجيل نفطي عربي ناشئ.

عكس المنيف في كتابه التزامهما بدراسة شمولية صناعة عالمية ودقة التحليل الاقتصادي (استعمال المصادر الأساسية على رغم اختلاف الواحد عن الآخر ومن ثم تبيان رأيه في الموضوع). ساعدت جهود هذين الباحثين على بروز مدرسة نفطية عربية، تراعي عولمة صناعة النفط وأهمية عوامله الاقتصادية، مع الأخذ في الاعتبار وجهة نظر «أوبك» وأقطارها ومصالحهم. وهذا ما عكسه المنيف في كتابه الموجه إلى الرأي العام العربي.

بدأت صناعة النفط منذ العقد السادس للقرن التاسع عشر، ويُعتبر القرن العشرون عصر النفط بامتياز. إذ بلغ الإنتاج العالمي عام 1905 نحو 590 ألف برميل يومياً، 62 في المئة منها من الولايات المتحدة و31 في المئة من روسيا القيصرية و6 في المئة من إندونيسيا. وكانت استخداماته محدودة بمنتج الكيروسين للإنارة. لكن اختراعي المصباح الكهربائي وآلة الاحتراق الداخلي، أديا الى تغيير أنماط الإنارة والتنقل. كما «أفضى تطور تجارته إلى اكتسابه وصناعته مبكراً، بعداً عالمياً. وكان لاختراع السيارة بداية القرن ونجاح نموذج «فورد (تي)» وانتشارها وانخفاض تكلفتها، دور في زيادة الاهتمام بالنفط في قطاع النقل، الذي أخذ العالم إلى مرحلة جديدة من التطور». وكان «للحربيْن العالميتيْن والنفط في ترجيح ميزان القوى فيهما، دور في الاهتمام السياسي، خصوصاً إبان الحرب الثانية التي حرص كل طرف على حرمان الآخر منه، واستهداف منشآت وناقلات النفط في العمليات الحربية، ما انعكس على علاقات النفط بعد الحرب الثانية.

كما ساهم صعود «ستاندرد أويل» وانهيارها وما آلت اليه، في اهتمام الرأي العام وصانعي السيارات والممولين». ولكن ما كان للنفط «أن يستمر في تبوؤ ذلك الدور طوال القرن، لولا بروز منطقة الشرق الأوسط (خصوصاً الخليج)، كأهم منطقة للاحتياط والإنتاج، ساهمت في تعزيز دور النفط في تلك الاستخدامات الضرورية للمجتمع الصناعي والتطور البشري، وفي تطوير تقنياته وصناعته، وفي استمرار دوره الاستراتيجي المتغير، وفي هيكلة أسواقه وعلاقاته طوال القرن».

يعكس هذا الشرح، النهج الذي تبناه المؤلف حول شرح الأدوار الكثيرة والمتداخلة للصناعة. فأبرَز العوامل الاقتصادية وسياسات الدول، ودور الشركات النفطية واكتشاف الاحتياطات الضخمة، حتى ارتفع الاستهلاك من نصف مليون برميل يومياً في بداية القرن العشرين إلى أكثر من 90 مليون برميل يومياً في نهايته. وأضاف المنيف بعداً مهماً لتاريخ الصناعة، وهو بروز دور التجمعات، الشركات النفطية و «أوبك» ووكالة الطاقة الدولية.

وشرح المؤلف أبعاد بروز «وطنية الموارد» في بداية الألفية امتداداً لمفهوم «السيادة» على الموارد، الذي ساد حقبة الستينات والسبعينات. أدى الاختلاف في التعابير والسياسات المنبثقة عنها، الى التقلب في التأميم والتراجع عنه والعودة إليه، نظراً إلى طبيعة العوامل المؤثرة في صناعة النفط عالمياً وتداخلها، فضلاً عن تلك الداخلية للدول وتأثرها بمستويات الأسعار المتقلبة وبظروفها وقدرتها التفاوضية، مع المؤسسات الدولية أو الشركات العالمية. وعبرت حالات كثيرة عن هذه التقلبات، منها إجهاز روسيا عام 2003 على شركة «يوكوس» المخصخصة، وتراجع فنزويلا عن سياسة الانفتاح التي انتهجتها شركتها الوطنية، وفشل «مشروع الكويت» لدعوة الشركات العالمية إلى تطوير حقولها، وتقليص نطاق مشروع فتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية لاستكشاف الغاز الحر في السعودية وتطويره.

تناول المؤلف توقعات سوق النفط، عارضاً كيفية رسم المحللين والمراقبين السيناريوهات وتبني الفرضيات. فالطلب على النفط مشتق من الطلب على السلع والخدمات، لذا «يتطلب ازدياد الإنتاج الصناعي والتوظيف والتحضر وحركة النقل وأنماط التنقل، الطاقة اللازمة لذلك والنفط من أهم مصادرها.» هذه العوامل المتنوعة في الطلب تبين صعوبة دقة التنبؤات. لكن تغير المجتمعات وتطور الصناعات وزيادة الاستخدامات المعتمدة على النفط، أدت الى رفع حصة النفط من استهلاك الطاقة الإجمالي في بداية القرن العشرين، من 13 في المئة إلى 40 في المئة في نهايته. وهناك انخفاض الطلب على النفط في الدول الصناعية منذ الثمانينات، الذي قابله في الوقت ذاته، الازدياد المهم في الطلب من الدول النامية ذات النمو الاقتصادي المستدام.

ماذا عن المستقبل؟ يشير المنيف إلى أن «جهود إيجاد وقود لمنتجات النفط لم تتوقف منذ عقود، ومنها تطوير الوقود الحيوي. يُضاف إلى ذلك، دور الكهرباء في تسيير القطارات ودور الغاز في تسيير الحافلات والعربات التجارية». ويضيف: «لكن التطورات المتوقعة في قطاع النقل البري والجوي، ستحدد دور النفط في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين. فذلك القطاع الذي يستحوذ على أكثر من نصف استهلاك النفط عالمياً، وأكثر من ثلاثة أرباع استهلاك قطاع النقل عموماً من منتجات النفط، والذي يكاد يكون تسييره حكراً على منتجات النفط بنحو 98 في المئة، أخذ يشهد منذ بدايات القرن تطورات تقنية وتنظيمية واقتصادية متلاحقة»، ما «سيؤدي في نهاية الأمر إلى إعادة تشكيل القطاع ليس في الدول الصناعية فحسب، بل أيضاً في الدول النامية التي سجلت خلال العقدين الماضيين نمواً في الطلب على منتجات النفط في قطاع النقل لديها مثل الصين والهند، والمتوقع استمراره ولو بوتيرة أخفّ».

 

 

* كاتب عراقي متخصص في شؤون الطاقة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة