|   

النسخة: الورقية - دولي

تفيد معلومات الشركة العربية للاستثمارات البترولية (أبيكورب)، بأن الطلب على الكهرباء في الدول العربية «ازداد عشرة أضعاف منذ عام 1980. وعزت «أبيكورب» في نشرتها البحثية الأخيرة، أسباب هذه الزيادة في الاستهلاك إلى عوامل كثيرة، منها ازدياد عدد السكان والتحضر والتصنيع، إضافة إلى انخفاض أسعار الكهرباء نتيجة الدعم الحكومي». وأشارت إلى أن معدل الزيادة انخفض في السنوات الأخيرة، نتيجة ضعف النمو الاقتصادي الذي خيّم على المنطقة العربية عموماً، وزيادة أسعار الكهرباء بسبب تقليص الدعم الحكومي. لكن، على رغم ذلك تتوقع «أبيكورب» زيادة الاستهلاك في دول الشرق الأوسط 7.4 في المئة سنوياً حتى عام 2021، ما يعني ضرورة زيادة الطاقة الكهربائية أكثر من 130 غيغاوات واستثمارات في قطاع الكهرباء تقدر بنحو 180 بليون دولار خلال السنوات المقبلة.

كيف يتم التعامل مع هذه الظاهرة؟ وما هي الطرق التي يمكن تبنّيها إزاء ضخامة التحدي المطروح، إذ أخفق بعض الدول فعلاً في توفير طاقة كهربائية متواصلة، حيث تمتد ساعات انقطاع الكهرباء بين أربع إلى ست ساعات يومياً وفي شكل متواصل يوماً بعد آخر، من أي باقة أمل في انتهاء هذا العجز الكهربائي في المستقبل المنظور. وهذا العجز واقع حالياً في دول عربية كثيرة، وليس واحدة أو اثنتين فقط، بحيث أصبح انقطاع الكهرباء أمراً مألوفاً، ومزعجاً وباهظ الكلفة على المواطنين، في المدن الكبيرة كما في الريف.

وتتنوع البدائل المتاحة، إذ هناك أولاً الاستثمار الحكومي العالي الكلفة في محطات كهربائية جديدة ووسائل توزيع حديثة للكهرباء. يبقى هذا البديل الأهم في قائمة الخيارات المتوافرة. لكن ليس الوحيد، كما كان الأمر سابقاً. وقد خسرت دول عربية البعض من طاقتها الكهربائية التي نُفّذت خلال الأعوام السابقة، بسبب التدمير الناتج من الحروب والإرهاب الذي انتشر في المنطقة. ويمكن تلافي العجز المالي والتحسين الإداري لقطاع الكهرباء، من خلال مشاركة القطاع الخاص في العملية، مع توفير شفافية وهيئات رقابية واسعة الصلاحيات، في شكل يخفف من وطأة التكاليف الباهظة وتقليص العبء على الحكومات، وهذه أمور أساسية في ظل الفساد المستشري في بلادنا.

وهناك أيضاً إمكان تشييد مشاريع الطاقة المستدامة من الشمس والرياح، وقد اعتُمدت طاقات وافية منها في عدد محدود من الدول العربية. إذ يُتوقع مثلاً أن تغذي محطات الطاقة المستدامة 27 في المئة من توليد الكهرباء في الجزائر بحلول 2030 ، ونحو 20 في المئة من الطاقة الكهربائية في مصر بحلول 2022، ونحو 10 في المئة في الأردن بحلول 2020 ونحو 7 في المئة في أبو ظبي بحلول 2020، ونحو 25 في المئة في دبي بحلول 2030 و10 في المئة في السعودية بحلول 2023، و15 في المئة في الكويت بحلول 2030 و30 في المئة في تونس بحلول 2030، بحسب تقديرات «أبيكورب». مع العلم أن معظم المحطات الكهربائية التي تُبنى، تستعمل الغاز كوقود أو نوعين من الوقود أحدهما الغاز، ما يعني خفض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون المضر بالبيئة. لكن وكما هو معروف، تبقى الطاقات المستدامة الأنظف بيئياً. كما يُلاحظ وتحديداً في الدول غير المنتجة للطاقة، أن تمويل معظم هذه المشاريع يكون من صناديق التنمية العالمية، مثل البنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة التعمير والتنمية وصندوق «أوبك للتنمية الدولية» (أوفيد). ولا يخفى أيضاً إمكان توفير الطلب على الكهرباء من خلال ترشيد الاستهلاك وزيادة الأسعار. لكن الترشيد يتطلب حملات توعية مستمرة وتعاوناً من المستهلكين. فيما زيادة الأسعار، فتشكل حلاً محفوفاً بالأخطار، خصوصاً إذا لم يندرج ضمن حملة إصلاحية متكاملة. وقد تؤدي هذه الزيادات في الخدمات الأساسية إلى الاحتجاج والتظاهر والإضرابات، كما أصبح مألوفاً في عدد من دول الشرق الأوسط.

ويمكن أيضاً تلافي النقص في التغذية الكهربائية من خلال ربط الشبكات بين الدول. وبادر الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية بالفعل إلى ربط الشبكات في دول المشرق العربي، ومن ثم ربط دول شمال أفريقيا الواحدة بالأخرى، فضلاً عن الربط بين مصر ودول المشرق العربي. وبادر مجلس التعاون الخليجي أيضاً إلى ربط الأقطار الأعضاء في المجلس منذ عام 2011.

لقد بات واضحاً على مدى العقود الماضية ومن خلال التجارب الصعبة والمريرة بين الدول المجاورة، فقدان الإرادة في التعاون الاقتصادي من جهة، والتردد بل الخوف من الاعتماد على الوقود اللازم لتوليد الكهرباء من دولة مجاورة، أو حتى استيراد الكهرباء مباشرة من جهة أخرى. والأسباب أصبحت معروفة، إذ أجهضت الخلافات المزمنة بين الدول العربية، التعاون الاقتصادي الثنائي أو الجماعي. فبدلاً من تقليد التجربة الأوروبية في استعمال صناعة الفحم والصلب والحديد وتجارتها، كنواة لتأسيس السوق الأوروبية المشتركة، اتجهت دولنا العربية في طريق معاكسة الاتجاه، بحرق كل الطرق المؤدية إلى التعاون المشترك والمفيد للأطراف المعنيين. وما وضعنا السياسي والاقتصادي المزري اليوم، إلا نتيجة لتراكم هذه الخلافات.

تخلفت دول عربية كثيرة عن تعيين هيئات ناظمة لقطاعات الخدمات الأساسية، كما أفضى تفشي الفساد إلى هدر عشرات البلايين من الدولارات المخصصة في الموازنات العامة لقطاع الكهرباء، من دون نتائج إيجابية أو ملموسة.

وأدت العوامل السلبية أعلاه إلى عدم تشييد طاقة كهربائية فائضة عند معظم الدول العربية لإمكان تصديرها إلى الدول المجاورة، في حال توافرت الفرص المناسبة أو عند الطلب منها للقيام بذلك.

إن انقطاع التيار الكهربائي لساعات بل لأيام متتالية في بعض الدول العربية، هو جزء من ظاهرة سقوطها وهي التي تخفق في تأمين الحاجات الأساسية لمواطنيها. والانقطاع المتواصل والمستمر للكهرباء يعني استحالة تشييد صناعة محلية تتنافس مع الصناعات الأجنبية. هذا ناهيك عن راحة المواطنين، وما يعتبر جزء أساس من مكونات مستوى معيشتهم. والظاهرة المؤسفة، أن الكهرباء لم تنقطع في أحلك الأيام خلال العقود السابقة، وإن دل ذلك على شيء إنما على التخلف بدلاً من التقدم.

 

 

* كاتب عراقي متخصص في شؤون الطاقة

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة