|   

النسخة: الورقية - دولي

شكل استفتاء إقليم كردستان حول تقرير مصير الشعب الكردي العراقي في محافظات الإقليم الثلاث (أربيل والسليمانية ودهوك)، إضافة إلى المناطق المتنازع عليها (كركوك وأجزاء من محافظات نينوى وصلاح الدين وديالى) خطوة تاريخية نحو الانفصال عن العراق ومحاولة تأسيس دولة كردية.

تواجه القوى الكردية تحديات عدة. فهناك موضوع حجم الاحتياط النفطي المكتشف حتى الآن، وملكية حقل كركوك العملاق الذي اكتشف في 1927. ويبلغ احتياط الحقل نحو بليون برميل من النفط الخام. وسجلت معدلات إنتاج الإقليم خلال كانون الأول (ديسمبر) 2016 نحو 500 ألف برميل يومياً، من ضمنها إنتاج كركوك. وبالغت السلطات البترولية الكردية في بادئ الأمر في معدل احتياطاتها، اذ اشارت الى امكان ارتفاع الاحتياط الى نحو 45 بليون برميل، ما يعني ان احتياطات الإقليم أكثر منها في الجزائر. لكن بدأ تدريجاً يظهر انتاج الحقول الفعلي، ما اثار شكوكاً حول الاحتياط وهل هو بالضخامة التي تم ذكرها.

هناك ثلاثة حقول رئيسة، غير حقل كركوك (الواقع خارج محافظات الإقليم الثلاث)، أهمها حقل «طق طق» وتديره شركة «جينيل» ذات الملكية التركية - البريطانية. وتأسست هذه الشركة من قبل الرئيس السابق لشركة «بريتش بتروليوم» توني هاورد ورئيس شركة «جينيل» الحالي والمستثمر ناثينال روثشيلد، اللذين أسسا شركة «فالاريس» التي تشاركت مع «جينيل اينرجي» التركية. وانضمت أخيراً شركة «سينوبيك» الصينية الى المجموعة. وكان من المتوقع ان تبلغ الطاقة الإنتاجية لشركة «جينيل» نحو 200 ألف برميل يومياً لكن، أشارت بيانات الشركة على موقعها الإلكتروني إلى أن معدل إنتاجها بلغ 19 ألف برميل يومياً في نهاية آذار (مارس) 2016. وتراوح المعدل ما بين ذروة الإنتاج في نيسان (ابريل) 2015 بنحو 145 ألفاً يومياً و36 ألف برميل يومياً في نهاية 2016. والسبب لهذا الانخفاض وفقاً للشركة، هو زيادة كميات المياه التي صاحبت الإنتاج. وهذا عادة يدل إلى مؤشرات سلبية.

أحدثت هذه المعلومات ذعراً عند الشركات النفطية العاملة في الإقليم. فمعدلات انتاج واحد من أهم الحقول في الإقليم انخفضت في شكل كبير، وبالذات الحقل المنتج للنفط الخفيف مقارنة بالنفط الثقيل المنتج من بقية الحقول. وتم أيضاً خفض ارقام احتياط الحقل.

وشكّل حقل كركوك منذ اكتشافه، عصب الصناعة النفطية في وسط العراق وشماله. وكان واضحاً للمسؤولين الأكراد أهمية وضع اليد على الحقل من أجل دعم كمية الإنتاج البترولي لدى الإقليم. واستطاعت قوات «البشمركة» تحرير الحقل من احتلال «داعش» له في صيف 2014. واستغل الإقليم الاستفتاء في كركوك لوضع بغداد امام سياسة «الأمر الواقع «. وقد صرح رئيس اقليم كردستان عند طرد «داعش» من كركوك ان الأراضي التي تحررها «البشمركة» لن ترجع إلى الحكومة الفيديرالية بل ستبقى مع الأكراد. وأجري الاستفتاء في كركوك، على رغم ما كان متفقاً عليه منذ اوائل الاحتلال عام 2003، على ان كركوك منطقة «متنازع عليها» ولها وضع خاص يختلف عن سلطة الإقليم في المحافظات الثلاث. وتدير الحقل منذ عقود «شركة نفط الشمال» المتفرعة عن «شركة النفط الوطنية العراقية».

تواجه الدولة الكردية المنشودة حقيقة ثانية كونها دولة لا تملك منفذاً بحرياً لتجارتها الدولية. وفي هذه الحال، فإن الدول المحيطة، مثل تركيا وإيران، لها مخاوف من امكان تقسيم بلادها، كما العراق، نظراً الى وجود شعب كردي كبير العدد في كلا البلدين، ناهيك عن أحزاب مسلحة تناهض الأنظمة الحاكمة. ففي تركيا، مثلاً، يشن» حزب العمال الكردستاني» منذ عام 1984 حرب عصابات ضد النظام في أنقرة مع فترات هدنة بين الحين والآخر. والأمر ذاته ينطبق على ايران، التي تتخوف من امكان وجود قوة عسكرية اسرائيلية على حدودها الشمالية الغربية.

ستعتمد الدولة المنشودة على عبور تركيا لتصدير نفوطها إلى الأسواق الدولية. وحدد مجلس الأمن القومي التركي عشية الاستفتاء الخيارات المتاحة للضغط على الدولة الكردية المزمع انشاؤها. وشكل اغلاق خط انابيب النفط احدى أهم الخيارات المتاحة. كما ان منع تدفق صادرات النفط الخام سيوجه ضربة قاضية للاقتصاد الكردي. لكن، يذكر ان هذا الأمر يرتب خطوات سلبية، ليس من السهل على المسؤولين الأتراك غض النظر عنها. فمن ناحية قد يؤدي اغلاق المصدر الأساس لاقتصاد الدولة الفتية الى حال من الجوع والحرمان والفقر والهجرة، تقابلها ردود فعل دولية لا يمكن أنقرة غض النظر عنها. كما ان لدى تركيا استثمارات ضخمة في اقليم كردستان، منها نفطية وأخرى إنشائية، تقدر بعشرات بلايين الدولارات، ناهيك عن الصادرات التركية إلى الأسواق الكردية، وتقدرها المصادر التركية بنحو ثمانية بلايين دولار سنوياً.

وهناك كذلك المفاوضات الجارية لإنتاج النفط وتسويقه بين سلطة الإقليم وشركة «روزنفت» النفطية الروسية الحكومية. ولا تزال المعلومات غامضة حول هذه الصفقة، إلا أنها تقدر ببلايين الدولارات. وطبعاً، اي تصدير للنفط يجب ان يمر عبر تركيا. فعرقلة هذا المشروع سيؤثر في العلاقات التركية - الروسية.

إن إغلاق خط أنابيب النفط عبر تركيا يشكل قوة ضاغطة على الدولة الكردية الفتية إذا نشأت. لكن هذا لا يعني استعماله في كل الأحوال، بخاصة اذا نشأت علاقات طبيعية. لكن ستأخذ الشركات النفطية الدولية هذا السيف المسلط على الصادرات النفطية الكردية للحصول على امتيازات اضافية في عقودها. او التردد في العمل في المناطق الكردية نظراً الى المخاوف على الصادرات، وإمكان توقفها في حال تأزم العلاقات بين الطرفين. ويذكر ان احتمال إغلاق الحدود البرية او الجوية ليس مستبعداً، كما اعلنت ايران وتركيا، ما يلحق أضراراً فادحة بالاقتصاد الكردي.

 

 

* كاتب عراقي متخصص بشؤون الطاقة

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة