|   

النسخة: الورقية - دولي

كاد رئيس زيمابوي روبرت موغابي أن يختتم مسيرته المهنية بلقب «سفير للنوايا الحسنة» لـ «منظمة الصحة العالمية» وهي صفة تحمل قدراً كبيراً من التشريف وتنويهاً بإنجازات حاملها في هذا المجال، وهو أمر لم يكن في محله برأي كثر من الناشطين في مجال حقوق الإنسان، ناهيك عن ممولي المنظمة وفي مقدمهم الولايات المتحدة وبريطانيا.

كمعظم الحكام الأفارقة، لم يكن موغابي على الدوام ديكتاتوراً دموياً، بل بدأ حياته مناضلاً ضد الاستعمار أكسبه السجن شعبية مكنته من فرض سيطرته على تلك البلاد التي كانت تعرف بروديسيا قبل انتزاعها من قبضة المستعمرين الإنكليز.

وعلى رغم نيله أوسمة وجوائز تقدير عالمية أهمها «جائزة كوفوشيوس للسلام»، فإن موغابي لم يرقَ يوماً إلى منزلة بطل الاستقلال في غانا كوامي نكروما الذي تتلمذ على نهجه، لكنه لم ينزلق أيضاً إلى مستوى ديكتاتور أوغندا عيدي أمين الذي تردد أنه كان يأكل معارضيه!

وتبعاً لما توحي به مآلات الحركات الانقلابية، فإنه لا يمكن الركون إلى أن خَلَف الرئيس الوحيد الذي عرفته زيمبابوي إلى الآن، سيكون أكثر ديموقراطية، طالما انه آتٍ أيضاً على ظهر دبابة، ويزداد الأمر إثارة للريبة مع معرفة أنه يلقب بـ «التمساح»! وعلى رغم أن إيمرسون منانغاغو الذي يستعد لتبوؤ سدة الحكم في زيمباوي كان من رجالات موغابي الأوفياء منذ أيام النضال، فإن المرجح أن تكون وراء سعيه إلى إطاحة رئيسه مخاوف من سيناريو «عصابة الأربعة» بقيادة أرملة ماو والتي طمحت لخلافة قائد الثورة الصينية بعد وفاته في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي. والمفارقة أن موغابي المتهم بأنه ديكتاتور، حاول التوفيق بين الطموحات الرئاسية لزوجته غريس ونائبه منانغاغو بدعوتهما إلى نقل حلبة تنافسهما إلى صناديق الاقتراع، لكن الأخير ومعه المؤسسة العسكرية رفضا هذا الاقتراح لأن النفوذ المعنوي للسيدة الأولى يجعل فرص التنافس غير متكافئة.

غير أن المشهد الانقلابي في هراري يضفي صورة قاتمة على مجمل الأوضاع في أفريقيا بما يشكله من انتكاسة لدعاة الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وينذر بتجدد انتشار عدوى الانقلابات في القارة السمراء، في حين أن الرهان الأفضل، لئلا نقول المثالي، هو إيجاد آليات تغيير ديموقراطية في دول لا تزال تعاني من تمسك حكام بالسلطة كما هي الحال بالنسبة إلى جوزف كابيلا رئيس الكونغو الديموقراطية التي تعرف أيضاً بـ «كونغو كينشاسا» وجاره في «كونغو– برازافيل» الجنرال دنيس ساسو نغيسو الذي أطاح بانقلاب عسكري الرئيس المنتخب ديموقراطياً باسكال ليسبوبا الذي يعتبر إلى جانب آرائه السياسية التقدمية أحد أهم الباحثين العلميين في فرنسا والحائز على دكتوراه في علم الأحياء (بيولوجيا) من جامعة باريس.

والراغب في إحصاء القادة الأفارقة الذين تربعوا على عرش السلطة في بلادهم وجمعوا ثروات، سيجد أمامه أسماء كثيرة، من الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني إلى نظيره الأنغولي خوسيه أداودو دوس سانتوس، مروراً بالكيني أوهورو جومو كينياتا الذي ورث الحكم عن والده، وهكذا فإن القائمة تطول ويبقى لسان حال المواطن الأفريقي «أحوال الزمان عليك شتى... وحالك واحد في كل حال».

تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تحسين الظروف، ويتعيّن التركيز على آليات التغيير وأساليب الاختيار التي لطالما كانت نادرة نتيجة تدخلات الدول الكبرى وتشعبات مصالحها في القارة السمراء، ما ينتج صعوبات وعوائق، كفيلة بتحويل حركة تحرر مثل «زانو» بزعامة موغابي إلى حزب واحد محتكر للسلطة في زيمبابوي.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة