|   

النسخة: الورقية - دولي

قديماً، كان يحلو لـ «مثقفين» عرب أن يرددوا، بإيعاز طبعاً من بعض اليسار العالمي، أن تفوق إسرائيل يعود إلى ديموقراطيتها والعدالة الاجتماعية والتعددية فيها... ديموقراطية وعدالة مطبقتان على اليهود وحدهم، وكذلك تعددية بينهم، الشرقيون منهم والغربيون.

عليه، يتعيّن أن نستخلص أن ما ينطلق من منطلقات أنانية– انعزالية، لا يمكن أن يحمل سمات إنسانية جامعة، كما أن الاتقان أو التميّز في الحِرَف أو الفنون أو حتى في السياسة، لا يعتد به إذا كان صاحبه مجرداً من الأخلاقيات والقيم.

لعله من هذا الباب، يمكن تفسير التناقض في سلوك شخصية عالمية مثل الزعيمة البورمية أونغ سان سوتشي التي حظيت خلال تاريخها النضالي ضد الديكتاتورية بحفاوة وإعجاب أوصلاها إلى الفوز بجوائز عدة بينها «نوبل للسلام» عام 1991، قبل أن تستجد أحداث يبدو معها أن اهتمام الزعيمة البورمية لا يشمل سوى أبناء طائفتها من البوذيين وأن إنسانيتها لا تتسع لاحتضان أبناء أقلية الروهينغا الذين تقدر التقارير أن مئات منهم ذهبوا ضحية العنف العرقي فيما تشرد آلاف آخرون. هذا الكلام ليس تكراراً لصدى ما يقال ويكتب عن أونغ سان سوتشي في وسائل الإعلام (العربية والعالمية) إنما هو كلام مقررة الأمم المتحدة الخاصة لحقوق الإنسان يانغي لي، الأكاديمية الكورية الجنوبية المرموقة التي لم تتردد في إبداء خيبتها من أن أونغ سان المدافعة الشرسة عن الديموقراطية في ظل الحكم العسكري في رانغون، «لم تستخدم سلطاتها المعنوية للدفاع عن الروهينغا»، مضيفة: «لا بد أن نمحي من ذاكرتنا صورة أسيرة الديموقراطية التي جسدتها لسنوات».

صحيح أن من السذاجة الاعتقاد بأن أحداث العنف الأخيرة في ولاية راخين المطلة على خليج البنغال، هي مجرد تجسيد لعنصرية لدى البوذيين، ذلك أن أي صراع يتطلب وجود طرفين وسبباً للتنافس. ولعل بعضهم يستسهل القول إن الروهينغا، سكان راخين التي يقال إنها تضم ثروات نفطية غير مكتشفة بعد، يتم اضطهادهم منذ سنوات لأنهم مسلمون حتى أن الدولة منذ استقلالها عن بريطانيا في 1948، لم تعترف بهم مواطنين بل تعتبرهم مهاجرين من بنغلادش. وهذا بدوره امر غير دقيق، إذ تفيد المراجع بأن المسلمين في بورما المعروفة رسمياً باسم ميانمار، هم بغالبيتهم من أصول عربية أو فارسية.

هذا تاريخياً، لكن مما لا شك فيه اليوم، أن مسلمي بورما يتم تحميلهم وزر جرائم يرتكبها الإرهاب، حتى أن ثمة من يقول إن «القاعدة» و «داعش» نجحا في التسلل إلى أوساط «الروهينغا» وأن قيادات متطرفة تتولى إدارة الصراع هناك.

قبل أيام، كتب صديق إعلامي وناشط معروف باهتمامه بقضايا البلقان في صفحته على أحد مواقع التواصل يسأل: لماذا اهتم الناس بقضية مسلمي البوسنة في التسعينات وتجاهلوا معاناة الروهينغا اليوم؟ ولعل الجواب البديهي الأبرز أن قضية البوسنة أتت قبل أن يقدم الإرهابيون على ارتكاب مسلسل جرائمهم غير المبررة في مدن الغرب، في شكل بات معه أي عمل منظم يقوم به مسلمون ولو دفاعاً عن أنفسهم، مصدر شكوك لئلا نقول إدانة.

بهذا المعنى، يمكن فهم لماذا يتعاظم نفور البوذيين من الأقلية المسلمة في بلادهم، ويمكن أيضاً فهم بعض تحفظ أونغ سان سوتشي عن استخدام نفوذها لوقف العنف في راخين، حتى وصل الأمر بها إلى تعريض نفسها لانتقادات عالمية ودعوات إلى سحب جائزة نوبل منها، الأمر الذي وضعها «بين نارين» وأحرج أيضاً مؤسسة الفرد نوبل كونها المرة الأولى التي يتعرض فيها أحد خياراتها لانتكاسة جدية من هذا النوع.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000