|   

النسخة: الورقية - دولي

يبدو أن طهران أفلتت مبدئياً من زاوية ضيقة كادت تضع نفسها فيها رداً على العقوبات الأميركية الجديدة، ذلك انه عندما وقّع الرئيس دونالد ترامب أوائل الشهر الجاري، قانوناً أقره الكونغرس لفرض عقوبات على روسيا وإيران وكوريا الشمالية، سارع الرئيس الإيراني حسن روحاني الى التهديد بالتخلي عن الاتفاق النووي المبرم في تموز (يوليو) 2015، والذي يفترض أن يعيد إيران إلى الحظيرة الدولية.

ومما قاله روحاني في حينه أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة العودة إلى هذه الأساليب (العقابية)، سنعود بالتأكيد وخلال فترة قصيرة لا تعد بالأسابيع والأشهر، بل في غضون ساعات وأيام، إلى الوضع السابق وسنكون أقوى بكثير» وهو يقصد بذلك إعادة تفعيل القدرات النووية لبلاده.

كانت تلك نبرة جديدة في خطاب روحاني الذي يحسب على «المعتدلين»، لا شك في أن اعتمادها سهّل على حكومته نيل ثقة مجلس الشورى حيث غالبية النواب من المحافظين، من دون الاضطرار للعودة الى المماحكات والسجالات التي طبعت التعامل بين المعسكرين التقليديين في «الجمهورية الإسلامية». لكن من شأن نبرة كهذه أن تعيد الأزمة مع المجتمع الدولي بأسره إلى المربع الأول.

غير أن روحاني عاد واعتمد خطاباً مغايراً، ذلك أنه من دون التخلي عن نعت «الأميركي» بـ «العدو»، أبدى في خطاب يرسم استراتيجية براغماتية لمرحلة مقبلة، تمسكه بالاتفاق النووي وضرورة «حماية ثماره» والتصدي لمحاولة واشنطن حرمان طهران من الاستفادة منه.

ثمة نقاط كثيرة تضمنها خطاب الرئيس الإيراني لدى نيله الثقة في مجلس الشورى يتعين التوقف عندها، ليس لأنها تعبّر عن أسلوب جديد في التعاطي، بل لأنها ايضاً لم تقابل برفض معهود من جانب خصومه التقليديين في الداخل، ما ينم عن قرار متخذ على أعلى مستوى باعتماد استراتيجية توحد الموقف العام، عنوانها التصعيد مع ترك الباب موارباً لمواصلة التعامل مع عواصم غربية تتخذ مواقف متمايزة عن واشنطن. والمقصود هنا اجتذاب شركات مثل «توتال» الفرنسية التي وقعت عقد شراكة مع الصينيين قيمته نحو خمسة بلايين دولار لتطوير حقل غاز في إيران.

لم يكن غريباً أن يقدم روحاني وزير الخارجية محمد جواد ظريف على انه «مقاوم»، باعتبار أن الدفاع عن الاتفاق النووي في مواجهة «الأعداء» هو «فعل مقاومة» بحد ذاته، لكن الجديد في كلام الرئيس الإيراني هو إدراكه أن «أي بلد لا يحقق تقدماً إذا كان معزولاً»، مضيفاً أن «على وزارة الشؤون الخارجية إعداد الظروف الملائمة لاجتذاب الاستثمارات والتكنولوجيا الأجنبية». وخلاصة الأمر، كما قال، هي أن «أولوية الحكومة هي استحداث فرص عمل، وذلك لا يمكن أن يتم من دون استثمارات أجنبية ودخول تكنولوجيات جديدة إلى البلاد».

عندما صاغ الأميركيون العقوبات كانوا واضحين في أن لا علاقة لها بالبرنامج النووي، بل بما تمارسه إيران من «زعزعة للاستقرار» إقليمياً، إلى جانب نقطة خلافية أخرى تتعلق بما إذا كان من حق طهران مواصلة تطوير برامجها الصاروخية، وهي ترى أن الاتفاق النووي مع الدول الست لا يفرض عليها أي قيود في هذا المجال، في حين يرى الاميركيون عكس ذلك.

أياً يكن الأمر، وبغض النظر عما تمارسه دول أخرى من براغماتية في علاقاتها التجارية مع إيران، وأيضاً، بغض النظر عما تمارسه إيران من محاولات للالتفاف على الإجراءات الأميركية حفاظاً على ما تعتبره «مكاسب» للاتفاق النووي، فإن ذلك لا يلغي أن رهاناتها على مرحلة جديدة من الانفتاح على المجتمع الدولي تصطدم بعوائق جدية، تتطلب مضاعفة العناء للوصول إلى تحقيق أهدافها.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة