|   

النسخة: الورقية - دولي

يصف المراقبون ولاية ألاباما بـ «الياقوت الأحمر» نظراً إلى ميولها الجمهورية المحافظة منذ عقود، وكنقطة تمركز للحصن الجمهوري في الجنوب الأميركي. هذا الحصن تم اختراقه من الباب العريض الأسبوع الفائت، بخسارة مدوية بحجمها ورمزيتها لليمين الأميركي سددها الديموقراطيون في انتخابات مجلس الشيوخ وانتزعوا المقعد لأول مرة منذ ١٩٩٢ عن الولاية.

خسارة روي مور المرشح اليميني الأصولي بتدينه والأشبه بمهرج بسياسته، دوت أصداؤها في العاصمة الأميركية، ليس فقط لتقليصها الغالبية اليمينية من ٥٢ إلى ٥١ مقعداً في المجلس، بل لما تعنيه لرئاسة دونالد ترامب ومسار الجمهوريين عموماً وهم على مشارف الانتخابات النصفية لمجلسي الشيوخ والنواب في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. أن يخسر اليمين في عقر داره في ألاباما، بعد خسارات متلاحقة في انتخابات فيرجينيا ونيوجيرسي، مؤشر إلى حالة سياسية أكبر من بهلوانات وفضائح روي مور، وأكبر من المرشح المعتدل سابقاً في فيرجينيا أد غليسبي. الجمهوريون يخسرون في الاعتدال والتطرف اليوم، والحملات الديموقراطية يجمعها شعار واحد: المعارضة والتمرد على رئاسة دونالد ترامب.

ترامب وقع في وسط المصيدة الديموقراطية، مراهناً على أسلوب الإهانة والتحريض وتعميق الشرخ بين الأميركيين في تغريداته وكلامه، ومتبنياً ترشيح روي مور المتهم بالتحرش جنسياً بقاصرات وأطفال خرجوا إلى العلن خلال الحملة. كبرياء ترامب تغلّب على ذكائه السياسي، ظناً منه أن القاعدة اليمينية المتطرفة التي ساهمت في إيصاله إلى الحكم ستضمن فوز الجمهوريين مرة أخرى وأن بضع تغريدات منه تكفي لتسيير الأميركيين. فات ترامب أن وصوله إلى الرئاسة يعود أولاً إلى تقاعس الديموقراطيين وعدم إقبال الأقليات بالكثافة نفسها في مدن فيلاديلفيا وديترويت وميلواكي، ما أدى إلى خسارة هيلاري كلينتون لولاياتها.

الدرس من انتخابات ألاباما داخلياً لترامب وحزبه، هو أن القاعدة الديموقراطية واليسار عموماً ممتنان لنهج الرئيس التحريضي وتغريداته الطائشة ضد النساء والأقليات والإعلام والمسلمين، تجيش الديموقراطيين وتدفع بنسب تطويع وتمويل وإقبال غير مسبوقة في الانتخابات التشريعية. هذه الموجة قد تسحق اليمين في انتخابات مجلس النواب المقبلة وربما في مجلس الشيوخ، في حال كسب نيفادا وأريزونا. أما الدرس الثاني لليمين، فهو الإسراع باحتواء الحرب الأهلية الناشبة داخل الحزب بين تيار المستشار السابق الشعبوي لترامب ستيف بانون والمؤسسة الحزبية. هذه الحرب انتقلت للأجواء الإعلامية بعد خسارة مور الذي دعمه بانون.

النائب الجمهوري عن ولاية نيويورك بيتر كينغ وصف بانون بأنه أشبه بـ “رجل ثمل يتبهور على الساحة السياسية”، ويكلف الجمهوريين غالياً اليوم في أجندة متطرفة اقتصادياً وسياسياً ودينياً تقسم الحزب ولا تلاقي إجماعاً وطنياً في الولايات المتحدة.

خارجياً، الدرس من ألاباما هو في عدم الرهان طويلاً وفقط على ترامب لا في المواقف ولا في أجندة الحكم. فرجل الأعمال السابق يبدل خطه الأيديولوجي كما يبدل ربطات العنق الملصقة إلى قميصه. وشعبيته المنزلقة إلى ما دون الـ٣٥ في المئة على رغم الأرقام الاقتصادية المتحسنة وتراجع نسب البطالة، هي انعكاس على نفور الناخب الأميركي منه شخصياً، ما يأتي بردود عكسية على سياسات ترتبط فيه حتى لو كانت منطقية.

زعيم مجلس النواب الجمهوري بول ريان يدرك حجم العاصفة الانتخابية القادمة في ٢٠١٨ وأعلن نيته بالتقاعد بعد تولي المجلس الجديد. كما سيغادر كل من السناتور جيف فلايك وزملائه جون ماكين وبوب كوركر مناصبهم، لتتحول المعركة بين متطرفي بانون والحزب الديموقراطي إذا لم يعدل ترامب تصرفه أو يتمكن المعتدلون من تحجيم بانون.

وفي هكذا معركة، يكون الديموقراطيون أمام سيناريو مثالي ليستعيدوا أكثرية تشريعية غابت عنهم منذ ٢٠١١ وتضعهم في موقع أفضل لرسم السياسات والاستعداد لمبارزة مفتوحة مع ترامب من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال الأميركي في ٢٠٢٠.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة