|   

النسخة: الورقية - دولي

وأخيراً كسر دونالد ترامب عزلته في واشنطن وابتسم للمرة الأولى منذ خطاب القسم وهو يشاهد التغطية «العظيمة» إعلامياً. الابتسامة لم تكن بسبب إنهاء فريق «ناسا» رحلة الـ١٣ سنة إلى كوكب زحل، أو تخطي ولاية فلوريدا الإعصار إيرما بأضرار أقل من المتوقع.

مزاج ترامب المرح هذه الأيام مردّه إلى الصفقات السياسية التي أبرمها مع من يُفترض أن يكونوا معارضيه الديموقراطيين حول ملفّي رفع سقف الدين والمهاجرين القاصرين الذين أحضرهم ذووهم بشكل غير شرعي إلى الولايات المتحدة. الصفقتان تمّتا في المكتب البيضاوي بعد اجتماعات وموائد عشاء (آخرها من مطبخ صيني) دعا إليها ترامب صديقيه الجديدين زعيمة الديموقراطيين في مجلس النواب نانسي بيلوسي وزعيم الأقلية في مجلس الشيوخ السيناتور تشاك شومر، أو «تشاك ونانسي» كما يسميهما.

صور اللقاءات والتقارير عن مضمونها تنقُل أجواء تعاون وتركيز غير مسبوق من رئيس تسرق انتباهه عادة تغريدة على تويتر أو خبر عاجل. صحيفة «بوليتيكو» تقول إن ترامب يجد الحديث مع «تشاك ونانسي» أكثر سلاسة من الحديث مع بعض قيادات حزبه الجمهوري، أي ميتش ماكونيل وبول ريان - الأكثر تحفظاً -، إذ تساعد شخصية شومر النيويوركية وصراحته في التواصل مع ترامب النيويوركي أيضاً، والذي لم يكن يوماً جمهورياً بالتعريف التقليدي، بل تبرّع لحملة شومر الانتخابية في السابق ولغيره من الديموقراطيين.

هذه الصداقة الجديدة كلّفت الجمهوريين في أسبوع واحد مفاوضات رفع سقف الدين بعد تأييد ترامب اقتراح بيلوسي رفعه فقط لثلاثة أشهر، وهي ستكلف القاعدة اليمينية المتشدّدة التي انتخبت ترامب، موقفها الداعي لطرد ٧٩٠ ألف مهاجر قاصر، بسبب اتفاق ترامب والديموقراطيين حول مشروع قرار يمنح هؤلاء صفة شرعية للبقاء.

الصفقة طبعاً ممكنة بسبب النظام الأميركي وقدرة الديموقراطيين - برغم كونهم أقلية - على ترجيح الكفّة وجذب معسكر المعتدلين بين الجمهوريين، وبالتالي كسب الغالبية. هذه الحسابات كسرت الجمود التشريعي الذي صاحب بداية عهد ترامب، ومنح الإدارة منعطفاً إيجابياً في التغطية الإعلامية التي يتابعها الرئيس صباحاً وليلاً، فترامب يسأل ضيوفه عن الصفقة، وعن رأيهم بتغطية «سي أن أن» و «فوكس» ويضحك إذا مدحوا الاثنين.

من هنا، فإن الدروس الأبرز على المستوى الخارجي التي يمكن استقاؤها من تجربة ترامب مع الديموقراطيين، تتعلق بمرونة الرئيس، وأهمية التغطية الإعلامية بالنسبة إليه، وأولوية أجندته السياسية فوق كل شيء. فماذا يعني ذلك في الشرق الأوسط؟

هذا يعني أن لا ثوابت سياسية أو شخصية عند ترامب، وهي تتغير في حال تغيّرت الظروف أو الشخصيات المحيطة به. وليس هناك خط أيديولوجي لترامب، لا في قضايا الهجرة ولا الموازنة ولا الشرق الأوسط، فعدا الأولويات العريضة التي تتحكّم باستراتيجية القضاء على «داعش» والاستقرار والدفاع عن إسرائيل وتمتين العلاقة بين الحلفاء ومعهم، ليست هناك قناعات مترسّخة مع إيران أو ضدها، أو تجاه غيرها في المنطقة، بل مصالح ومرونة لتحصين موقع الولايات المتحدة، سواء في الاتفاق النووي الإيراني أو في عقود الاستثمار والأسلحة.

هذه البراغماتية والقدرة السريعة للرئيس على التحوُّل في الداخل وفي شكل قد يكلّف حزبه الجمهوري الانتخابات النصفية في ٢٠١٨، يمكن الاستنتاج منها أن ترامب لا يهمه إلا ترامب، فما من مساعد أو وزير لا يمكن التخلّي عنه، وما من صفقة لا يمكن إتمامها أو إلغاؤها وفق أولوياته وأهدافه الانتخابية، وبالتالي فإن خيبة الجمهوريين لا تعني ترامب كثيراً طالما أن مساره الرئاسي سالك والتغطية الإعلامية مشجّعة.

وترامب في الأشهر الثمانية الأولى أبدى قدرة هائلة على الفشل، وأخرى كبيرة أيضاً على تعديل مساره، بتغيير فريقه وتبديل تحالفاته. ويقول مستشار ترامب المستقيل سباستيان غوركا لصحيفة «لوس أنجليس تايمز»، إن من فاز في الانتخابات هو «ترامبوليس الجمهوريين». وهنا استقلالية ومرونة يجب تذكّرها في الحديث عن أي موقف حالي للرئيس الأميركي في سورية أو إيران أو العلاقة مع مصر أو ملفات أخرى قد يتغير لاحقاً.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000