|   

النسخة: الورقية - دولي

على رغم أن الاحتجاجات في مطلع الشهر الجاري هي تحد بارز للنظام الإيراني، طهران هي أكبر الفائزين في سورية. فالقوات الإيرانية أو القوات المحلية الموالية لها سيطرت على أراض كانت واقعة في قبضة داعش، عدوها اللدود. وروسيا كذلك انتصرت في سورية. وثمة تباين بين الفوز الإيراني ونظيره الروسي. فالمبادرة تعود إلى روسيا ديبلوماسياً وسياسياً. وعلى خلاف المرحلة السوفياتية، يسعى الكرملين اليوم إلى مفاوضة الأطراف كلها. ولم يسبق أن كان دور موسكو في الشرق الأوسط على هذا القدر من المحورية. ولكن روسيا تحتاج إلى إيران في الميدان السوري حيث الاستقرار لم يُرسَ بعد. وهذا التحالف مع إيران هو ورقة في يد موسكو في وجه إسرائيل وأميركا. والحق يقال ليست حاجة موسكو إلى طهران من طرف واحد. وحاجة الأخيرة (طهران) إلى الأولى أكبر. فما بدأ على أنه زواج مصالح تحول إلى رابطة استراتيجية لن ينفرط عقدها، على رغم التباينات حول مصير بشار الأسد أو بقاء القوات الإيرانية في سورية.

والحرب في سورية لم تنتهِ بعد، على رغم أن أمرها محسوم. فالدعم الجوي الروسي والدعم الإيراني البري (الميليشيات الشيعية...) أنقذا الرئيس السوري. فوسع بشار الأسد البقاء في السلطة، على رغم أن نظامه لا يبسط سلطته على كامل أراضيه. ولم يعد يواجه تهديداً عسكرياً، ولكن لا أحد يعرف إذا كان في وسع الأسد البقاء في سدة سورية طويلاً. فستة ملايين سوري لجأوا إلى الخارج ونظير العدد هذا نزح في الداخل. وكثر ممن بقي في أراضي سيطرة النظام يصدع ببقائه، ولكن تأييد الأسد ضعيف خارج دائرة العلويين والمقربين. والخاسرون في سورية كثر، ومنهم دول عربية وتركيا. والأخيرة راهنت على رحيل الأسد. وحين رأى أردوغان أنه يغامر بخسارة كاسحة، انعطف إلى روسيا وصار يدور في فلكها سعياً في تقليل الأضرار. وإسرائيل خسرت في سورية كذلك. ففي بدء الحرب الأهلية في سورية في 2011، رأى عدد من القادة والخبراء الإسرائيليين أن الشيطان الذي يعرفونه- نظام الأسد- خير من شيطان يجهلونه، أي حركة تتعاظم فيها قوة الإسلاميين المتطرفين. وقلة من الأشخاص نبهت إلى أن الرئيس السوري هو أكبر خطر على إسرائيل في الحرب الأهلية الدائرة: فخياراته كانت تنفد وكان يبلغ طريقاً مسدوداً ويشرع أبواب بلاده أمام «حزب الله» وإيران لمقاومة التمرد، ويتعاظم اعتماده على حلفائه. وكانت مخاوفنا في محلها، وتعاظم النفوذ الإيراني في المنطقة. ونشرت طهران قواتها أو الميليشيات الشيعية التي ترعاها- وعديدها من الأفغان اللاجئين في إيران والعراقيين والباكستانيين- في الأراضي السورية للمرة الأولى في تاريخها. ودرب الحرس الثوري الميليشيات الشيعية، وبدأ كذلك بتدريب ميليشيات سورية. وخبرات «حزب الله» في القتال بسورية غيرت موازين القوى في النزاع. وهذا أمر مقلق. وكان شاغلنا عدم نقل «حزب الله» أسلحة الجيش السوري الصاروخية الدقيقة، إلى لبنان. وعلى رغم الغارات على مواكبه، الخطر لم ينحسر. ويرجح نفوذ إيران المتعاظم على «حزب الله» ونشر قوات إيرانية في سورية احتمال قتال إسرائيل على جبهتين، إلى الشمال، إذا اندلع النزاع. لذا، لا يسعنا قبول مرابطة الإيرانيين في سورية. وعلى رغم أن إيران دربته ليهدد إسرائيل، فعناصر الحزب هذا من اللبنانيين ولا يخفاهم أن نزاعاً مسلحاً مع إسرائيل سيؤدي إلى دمار شطر كبير من بلدهم.

ولا نرغب في مغامرة عسكرية. ولا شك في أن سياسة إدارة ترامب غير متوقعة وأنها تسعى إلى فك الارتباط بالشرق الأوسط، ولكن علاقاتها الأمنية بإسرائيل قوية. والروس ليسوا حلفاء إسرائيل، ولكنهم ليسوا أعداء. وتعاطف روسيا مع إسرائيل حيث يعيش أكثر من مليون روسي اللسان، كبير. وثمة خط مباشر بين قيادة الأركان الروسية وقيادة الأركان الإسرائيلية. وعلى طرفي الخط، يرطن المتحدثون بالروسية. ونأمل في أن يضغط الكرملين على الإيرانيين لينسحبوا من سورية أو لحملهم، على أقل تقدير، على عدم الانتشار في الجنوب وغرب دمشق على مقربة من الحدود مع إسرائيل.

* باحثة، مسؤولة سابقة في جهاز «الموساد»، عن «بروجيكت ســـانديكايت» الدولي، 7-8/1/2018

إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة