|   

النسخة: الورقية - دولي

مساء اليوم، سيجتمع المجلس المركزي في رام الله لمناقشة ما يمكن فعله في مواجهة إنسداد إمكان قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع، بسبب الرفض الإسرائيلي، وتخلّي الولايات المتحدة عن دورها كراع «نزيه» ووسيط «محايد» وضامن «موثوق» لعملية «السلام»، التي تم التوافق عليها في أوسلو (1993)، وأيضاً بحكم سيطرة إسرائيل على حركة الفلسطينيين، وعلى المعابر، ووجود 800 ألف مستوطن في 200 مستوطنة في الضفة، وبناء الجدار الفاصل والجسور والأنفاق والطرق الالتفافية وعمليات التهويد والتغيير الديموغرافي، لا سيما في القدس، إضافة إلى هيمنتها على حياة فلسطينيي الضفة، أمنياً واقتصادياً وفي البنى التحتية.

الفرضية الأساسية أنه لم يعد مقبولاً اجترار الشعارات والمقولات التي تعوّدنا عليها، منذ سبعة عقود، من دون أن تنتج شيئاً يتناسب مع التضحيات والمعاناة والبطولات التي قدمت، وأننا بتنا في وضع ينبغي فيه قول ما يجب قوله، بصراحة وجرأة ومسؤولية، بعدما بيّنت التجربة، بما لها وما عليها، أن الخطابات الشعاراتية والعاطفية التي غلبت على الفكر السياسي الفلسطيني سابقاً كان معظمها أقرب إلى إنشاءات سياسية، للاستهلاك، أو جزءاً من «عدّة الشغل». وبديهي أن هذه الفرضية تطرح إشكاليات منها التوازن بين الواقع والممكن، والإمكانات والرغبات، والعاملين الداخلي والخارجي، والراهن والمستقبل.

بيد أن أي قول أو خيار قد يجري تبنيه، في الاجتماع المذكور، سيواجه مشكلات عدة: أولاها، افتقاد الفلسطينيين لكيانات سياسية فاعلة، فالمنظمة تعاني التهميش، والسلطة مقيّدة بأوسلو، والاثنتان في شرعية ناقصة، إذ لم يجتمع المجلس الوطني منذ أكثر من عقدين، والسلطة لم تجر انتخاباتها (للرئاسة والمجلس التشريعي) منذ أكثر من عقد. أما الفصائل، فباستثناء «فتح» و «حماس» وجبهة أو اثنتين، فوصلت منذ زمن، إلى حالة شيخوخة وتكلّس، ناهيك عن تآكل مكانتها في مجتمعات الفلسطينيين، وأفول دورها بمواجهة إسرائيل. والمعنى أنه لا يمكن تحميل رؤى سياسية أو خيارات كفاحية جديدة على حوامل قديمة، ومستهلَكة، أو لم يعد لديها ما تقدمه للعمل الوطني الفلسطيني، بعد كل هذه التجربة، وبعد كل التغيرات والتحولات المتعلقة بالقضية الفلسطينية وبالتأثيرات الدولية والإقليمية فيها.

وثانيتها، أن القيادة الفلسطينية، قيادة المنظمة والسلطة وفتح، لم تحسب لهذا اليوم، في مراهنتها الأحادية على المفاوضة والدولة في الضفة والقطاع، أي لم تهيئ ذاتها ولا شعبها للتحديات الجديدة. وثالثتها، أن كل الحالة الفلسطينية (منظمة وسلطة وفصائل) مرتهنة في مواردها للدعم المالي المتأتي من المساعدات الخارجية. فثمة حوالى ربع مليون موظف ومتفرغ، منهم 160 ألف موظف في السلطة في السلكين الخدمي والأمني (عدا 40 ألفاً من موظفي سلطة حماس في غزة)، إذ تبلغ كتلة الرواتب 2.5 بليون دولار سنوياً، ما يعني أن الحديث يتعلق بإعالة أكثر من مليون فلسطيني في الأراضي المحتلة. ورابعتها، أن أي قرار يجب أن يأخذ في الاعتبار تبعات علاقات التنسيق الأمني مع إسرائيل، وسيطرتها الإدارية والأمنية على الأراضي المحتلة والمعابر مع الخارج وشبكة الاعتمادية في مجالات البنى التحتية.

وخامستها، أن المعطيات الدولية والإقليمية غير ملائمة، مع الاحترام لنتائج التصويت في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لا سيما بسبب التصدّع الدولتي والمجتمعي في المشرق العربي، ولا مبالاة العالم، باستثناء البيانات، إزاء ما يفعله نظام الأسد للسوريين، فكيف الأمر إذاً، من الناحية العملية، إذا كان يتعلق بإسرائيل في مواجهة الفلسطينيين؟

في ظل هذه المحددات والقيود، ومع تحميل القيادة مسؤولية الوصول إلى هذه الحالة، نتيجة مراهناتها الخاطئة والأحادية، فالمطلوب طرح الحلول والتصورات التدريجية التي يمكن أن تفوّت الأهداف الإسرائيلية، من دون أن تخلخل بقاء الفلسطينيين في وطنهم. لكن ذلك يتطلب أيضاً تفهّم إخفاق خياري المفاوضة والمقاومة المسلحة (التي باتت متعذّرة تبعاً لدروس التجربة وضعف الإمكانات وللمعطيات العربية والدولية الراهنة)، وإن كان الوضع قابلاً لأن يفتح على إمكان فعاليات كفاحية على شكل الانتفاضة الأولى (وليس الثانية)، كما حصل مراراً في السنوات الماضية.

في هذا الإطار يمكننا أن نلاحظ أن أكثر ما يجمع عليه الفلسطينيون الآن إنما يتمثّل بخيار التحرر من اتفاق أوسلو، علماً أن إسرائيل كانت نفضت يدها منه منذ مفاوضات كامب ديفيد-2 (2000) أي قبل 17 عاماً. بيد أن ولوج هذا الخيار يفترض، أولاً، إعادة بناء السلطة على قواعد مؤسسية وتمثيلية ووطنية، وليس حلّها، وترشيد إدارة الموارد، وتنمية مجالات الاعتماد على الذات، وتقليل الاعتماد على الخارج.

ثانياً، تغيير وظائف السلطة، بحيث تصبح مهمتها إدارة أحوال مجتمع الفلسطينيين في الداخل، وتعزيز صمودهم في أرضهم وتنمية كياناتهم ومؤسساتهم، والحفاظ على أمنهم، بحيث تنتهي وظيفتها التفاوضية أو المتعلقة بالتنسيق الأمني المكرّس لحماية الاحتلال. ثالثاً، فكّ الارتباط بين المنظمة والسلطة، بإعادة الاعتبار للمنظمة ككيان سياسي معنوي يمثل الفلسطينيين في الداخل والخارج. وبديهي أنه في غضون ذلك يفترض الانتباه إلى تبعات خطوة كهذه بحكم سيطرة إسرائيل على حياة الفلسطينيين في معظم المجالات، وكذلك تبعاتها على الموارد المالية (الخارجية) التي تغطي موازنة السلطة ورواتب العاملين فيها، والسعي لتوفير موارد بديلة، إلى جانب الاقتصاد بالنفقات، والاعتماد على الموارد المحلية. وطبعاً هذه مسألة ليست سهلة إطلاقاً، لكن لا بد منها بطريقة أو بأخرى، اليوم أو غداً.

لكن مجرد التحرر من أوسلو، أو التحرك على الصعيد الدولي، لا يكفيان، على رغم أهميتهما إذ يفترض طرح رؤى سياسية وأشكال عمل تجيب عن مختلف الأسئلة التي تطرحها مجتمعات الفلسطينيين (في الخارج أي اللاجئين وفي الأرض المحتلة في 67 وفي مناطق 48)، وتبني وسائل كفاحية تتناسب مع إمكانات وظروف الفلسطينيين، وتعزز صمودهم في أرضهم، وإعادة بناء الكيانات السياسية بحيث تحمل هذه الرؤى المطروحة. ولعل كل ذلك يفرض عقد مؤتمرات أو لقاءات للشخصيات الفلسطينية الفاعلة، من رجال أعمال وأكاديميين ومثقفين وفنانين، لتعزيز مشاركتهم وتمثيلهم في العمل الفلسطيني، لأن تقديم إجابات عن أسئلة الواقع المعقّد يحتاج إلى جهد جماعي مثابر، وإلى منابر نقاش، وهو للأسف غير متاح على النحو المناسب في الحالة الفلسطينية المتشظّية، وفي ظل هيمنة الفصائل على المجال العام.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة