|   

النسخة: الورقية - سعودي

قال الإمام الشافعي:

جزى الله الشدائد كل خير وإن كانت تغصصني بريقي

وما شكري لها حمداً ولكن عرفت بها عدوي من صديقي

 

عاشت منطقة الشرق الأوسط مخاضاً صعباً في السنتين الماضيتين، ففي السنة الأخيرة من حكم أوباما (البطة العرجاء)، كما يحب أن يسميها الأميركيون، لم تتغير كثير من المعطيات التي كانت موجودة في الأصل، وهي: تفشي ظاهرة الإرهاب وبروز الدور الإيراني التخريبي في المنطقة، وتسلمها إدارة العراق وسورية واليمن، وبقاء الدور الروسي الداعم للمشروع التخريبي في المنطقة، وحتى بعد قيام «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل»، لم يلح أمل بانتهاء تلك المعضلات من المنطقة.

وفي استقراء سريع لأهم الأحداث في تلك المرحلة، نجد أن سبب ابتعاد أوباما عن منطقة الشرق الأوسط هو اهتمامه بالشرق الأقصى، حيث الصين وكوريا الشمالية وكثير من التحديات الأميركية، ومارست سياسة القيادة من الخلف في الشرق الأوسط، وهي دعم «اليد الطولى» لحل مشكلات المنطقة، كروسيا وإيران ومن يدور في فلكهما، فبرز عدد من الكتاب حينها، الذين كانوا يؤكدون تغيير استراتيجية أميركا تجاه السعودية تحديداً، وأننا على حد انهيار محقق وكثير من السلبية والتشاؤم في حق دول الخليج العربي، وأن الحل الوحيد في نظرهم هو التكاتف مع تركيا، وكتبت حينها رداً في «الحياة» بتاريخ الـ14من تموز (يوليو) 2016 مقالة باسم: «نيران صديقة فاطمئن»، حددت حينها كيف تنظر القوى الغربية إلى مصالحها وكيف تحاول منع الغير من السيطرة على الموارد لكي لا يأتي من يملأ الفراغ بعدها. وكنت قرأت كثيراً من الدراسات والدعوات والمقالات التي كانت تحذر السعودية من انهيار تحالفها مع أميركا، وذلك لدفع الرياض إلى تحالف تركي إخواني في المنطقة، ولا سيما بعد سقوط نظام حسني مبارك وانتهاء الدور العربي والإسلامي الصحيح، ولكن إرادة الله، ثم حكمة ولاة الأمر منعت الانجرار وراء تلك المخططات.

كما كان لافتاً الدور التركي في الأزمة السورية، إذ استطاعت سياسة أردوغان أن تتعامل مع الأزمة السورية من باب الضغط على الدول الأوربية والمجتمع الدولي في دفع المهاجرين السورين إلى أوروبا، وكان السبب الذي دعا تركيا إلى اللعب بالورقة السورية هو محاربة الأحزاب الكردية، وألا تقوم لها قائمة في الجنوب التركي، وكنت كتبت مقالة في «الحياة» أيضاً بتاريخ الـ29 من كانون الأول (ديسمبر) 2016 باسم: «اللعب بالوقت الضائع بين الشعارات والمصالح»، أوضحت حينها أن السياسة التركية استطاعت استغلال قضايا العرب لمصالحها الخاصة.

أيضاً لا يفوتني أن أذكر الفرحة العارمة ضد المملكة، خلال إقرار قانون جاستا، وكأن القدس العربي عاد إلى حضنه العربي، وبينت مدى جهل بعض الإعلاميين، وللأسف، بأبسط قوانين العلاقات الدولية، وكتبت في «الحياة» مقالة بتاريخ 6 حزيران (يونيو) 2016 باسم: «شيوخ 11 سبتمبر»، وكنت ساخراً من طريقة إقرار «القانون»، وجازماً بأن إقراره قد يفضي إلى مشكلات كبيرة على أميركا نفسها، فكم من الأفراد في الدول التي سترفع دعوات ضد أميركا بمبدأ قانون جاستا نفسه خلال حروبها العالمية في الفيليبين وفيتنام وأفغانستان وغيرها كثير وكثير.

وبعد وصول الجمهوريين إلى البيت الأبيض، كتبت أيضاً في «الحياة» بتاريخ 25 كانون الثاني (يناير) 2017 مقالة بعنوان: «قراءات ترامبية»، أوضحت فيها توقعي فوز دونالد ترامب على منافسته هيلاري كلينتون، وكان ذلك واقعياً بالنسبة لمن يتابع الشأن الأميركي الداخلي ويعلم مسارات وأفكار المجمعات الانتخابية في الولايات الأميركية، إضافة إلى جماعات المصالح والضغط وتوجهاتها، وتوقعت في المقالة ذاتها دور الولايات المتحدة في نقل سفارتها إلى القدس، وكثير من التوقعات التي وقعت، والتي بدأ بعضها التبلور.

وبعد إعلان ترامب نيته زيارة الرياض، بوصفها أول رحلة خارجية له، كتبت في «الحياة» بتاريخ 4 أيار (مايو) 2017 مقالة بعنوان: «زيارة ترامب قطفة أولى»، ذكرت حينها جملة من التوقعات والأمور التي أرى استحسان طرحها على طاولة المناقشات، وكنت توقعت حينها، في ما يخص الأزمة السورية، دوراً لفاروق الشرع في الأزمة السورية، وقد ظهر ذلك أخيراً في تصريحات الروس للأميركيين بعدم ممانعتهم أن يكون هناك دور لفاروق الشرع بصفة رئيس لسورية في «مرحلة انتقالية».

تقوم المملكة الآن بإصلاحات جبارة على جميع المستويات لمواكبة التطور العالمي ومحاربة الأفكار الهدامة، وأن تكون عضواً فاعلاً في المجتمع الدولي يعتمد عليه، ولاسيما أنها عضو رئيس في مجموعة الـ20 الاقتصادية، التي تُحتم على الرياض تعديل بعض القوانين الاقتصادية، التي هي من سمات القوانين الاقتصادية لأعضاء المنتدى، وكتبت في 12 يناير 2017 في «الحياة» مقالة بعنوان: «2030 من زاوية أخرى»، أوضحت أنه من الظلم الحكم على الرؤية ولم تتجل نتائجها الاستراتيجية للعيان، والتي أعتقد أنها من أهم المنعطفات لتحقيق التوازن الاستراتيجي للمملكة وللمنطقة عموماً.

وبعد استعراض سريع لأحداث وتوقعات وقعت بالفعل، أود أن أكتب عن المستقبل، مع عدم إغفال التعقيد وعدم اليقين والغموض والشك أيضاً، وسأبدأ من البيئة الدولية، التي من أهم دولها بنظري الولايات المتحدة، إذ أصدرت واشنطن أخيراً استراتيجية الأمن القومي، التي تعتبر فرصة جبارة لمواجهة التحديات في المنطقة، إذ كان ترامب جدياً في طرحه عندما وصف أنه سيعمل على «صون السلام بالقوة»، وأن تلك القوة تجمع عناصر القوى الوطنية كلها وليس العسكرية فقط، كما أن الاستراتيجية الصادرة ذكرت إيران في 15 سطراً، ووصفها بأنها أكثر دولة إرهابية، من حيث تمويل الإرهاب وصنع الصواريخ ونشرها عند أتباعها في اليمن ولبنان، وأعتقد أنها لن تكف عن أعمالها الإرهابية إلا بثورة من الداخل تسقط ولاية الفقيه، ويكمن التحدي الأكبر لأميركا في الاتفاق النووي الإيراني، الذي يعتبر تحدياً للاستراتيجية المعلنة وتحدياً لدول الشرق الأوسط، والذي يتيح لإيران - بحسب موقع «ديبكا» - إنتاج قنبلة نووية بعد 10 سنوات من توقيع الاتفاق.

وغير بعيد عن البيئة الدولية، هناك البيئة الإقليمية، التي تعتبر من أعقد البيئات، ربما في العالم، فهناك كثير من القضايا الساخنة في العراق وسورية واليمن وإيران والقرن الأفريقي، والتنافس على البحر الأحمر بوصفه موطئ قدم للمتنافسين، ومن خلال استعراض للتحديات والفرص السابقة، ووضوح تعامل بعض الدول التي كنا نعتبرهم أصدقاء، على المستوى العالمي والعربي والإسلامي وحتى الخليجي، أجد أن الحل أمام الرياض في ثلاث نقاط: أولاً: العمل على عدم الاعتماد على النفط بوصفه مورداً رئيساً للتنمية، ما يساعد في رسم السياسات النفطية وفق المصالح السياسية، والضغط على الدول التي مازالت تعتمد على النفط وتعتبر منافسة لنا في المنطقة، ثانياً: التفكير جدياً في الحصول على مفاعل نووي يفضي إلى قنبلة نووية، بمثابة سلاح ردع، ولو بصيغة كالصيغة الباكستانية، ثالثاً: تطوير الدفاع السيبراني واعتباره أولوية في الجهد التنموي الدفاعي، كي لا نقع ضحية كما وقعت أستونيا في 2007 ضحية لهجوم جعلها في النهاية ترضخ لمطالبات روسيا، ولاسيما أننا مقبلون على تنمية معلوماتية جبارة.

أخيراً، سأقتبس من محاضرة وزير الخارجية عادل الجبير في مركز «سيتا» للدراسات في تركيا يوم 9 أيلول (سبتمبر) 2016، إذ قال: «المملكة العربية السعودية ليست بدولة جديدة، بل إنها تأسست أول مرة عام 1744 في ظل القيادة ذاتها التي تحكمها اليوم، ووفق المبادئ ذاتها، وعلى الأراضي ذاتها، وفي 1818 تم تدميرها، وبعد مضي 20 عاماً عاودت الظهور تحت ظل القيادة ذاتها، ووفق المبادئ ذاتها، وعلى الأراضي ذاتها، ثم تم تدميرها مرة أخرى لتستعيد مكانتها مرة أخرى مطلع 1902 وتكمل المسيرة حتى عام 1932، وكانت مرة أخرى في ظل القيادة ذاتها، ووفقاً للمبادئ ذاتها، وعلى الأراضي ذاتها. وإنني أذكر هذه النقطة لأنه من النادر جداً - إن لم يكن محالاً - في تاريخ الدول أن تعود دولة ما بعد تدميرها وتستعيد مكانتها في ظل القيادة ذاتها وعلى الأراضي ذاتها، ما لم تمتلك قدراً هائلاً من الشرعية المتأصلة في مجتمعها وشعبها، وهذه هي الحال مع المملكة العربية السعودية، وهو المصدر الذي نستمد منه قوتنا بصفتنا دولة».

من خلال ما سبق، لم يبق أمام كل ذي لب إلا أن يثق بالله تعالى، ثم بولاة الأمر، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

* باحث استراتيجي.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة