|   

النسخة: الورقية - سعودي

تشهد المملكة حالياً تحولاً هائلاً، ليس فقط من حيث التنويع الاقتصادي، وإنما أيضاً من خلال سلسلة من الإصلاحات الاجتماعية غير المسبوقة، والجهود التي تبذل لفتح المجتمع المحافظ تقليدياً، لجذب تدفق الاستثمار الأجنبي والزوار الدوليين.

فمنذ تولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان القيادة، تم الإعلان عن العديد من المشاريع التي تعالج عدداً من الأهداف الاستراتيجية للمملكة المتماشية مع رؤية 2030، ومنها تنويع الاقتصاد، وجذب الاستثمارات الأجنبية، واستحداث فرص عمل، فضلاً عن إجراء إصلاحات معتدلة لتسهيل تواصل العالم مع المجتمع السعودي، فالاستثمار في قطاع السياحة المحلية والدولية في المملكة قد يشكّل محرّكاً رئيساً للنمو المحتمل في هذه المجالات، خصوصاً أن المملكة تسعى إلى تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على «البترودولار»، وسط التراجع الكبير الحاصل في أسعار النفط. وكانت «يورومونيتور» الدولية توقّعت أن توجه الحكومة للاستثمار في تطوير السياحة الداخلية في جميع أنحاء المملكة يمكن أن ينتج زيادة بنسبة 40 في المئة في حركة السياحة الداخلية بحلول عام 2020. وانطلاقاً من هذه المعطيات والميل إلى الإنفاق داخل المملكة، يتم توجيه استثمارات ضخمة نحو مشاريع الترفيه المحلي في شكل متنزهات، وتسوّق وترفيه ومواقع ثقافية وتراثية، من ضمنها بناء متنزه «القدية» الثقافي والرياضي والترفيهي جنوب غربي الرياض، مع أحدث مرافق ترفيهية، ومدينة Six Flags، وكذلك المنتجعات والفنادق والوحدات السكنية على ساحل البحر الأحمر.

كما أن الاستثمارات في قطاع السياحة في المملكة الموجّهة من قبل صندوق الاستثمارات العامة وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تظهر التزاماً جدياً بالتحوّل إلى مجتمع أكثر اعتدالاً وانفتاحاً على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، ويشكّل إعلان السعودية تحويل مئات الكيلومترات من ساحل البحر الأحمر إلى موقع سياحي دولي تحكمه قوانين تعكس المعايير الدولية، دعوة للمسافرين المرموقين من جميع أنحاء العالم لزيارة المملكة، ومن المتوقع أن يستحدث هذا المشروع وحده 35 ألف وظيفة، ويضخ 4 بلايين دولار في الاقتصاد سنوياً عند إنجازه.

لكن التحدي الرئيس لبناء قطاع قوي للسياحة الدولية يكمن في إمكان مواصلة البناء، والحفاظ على ثقة المجتمع الدولي في التزام المملكة بالعملية التي أدت إلى الإصلاحات الاجتماعية الأخيرة، بالسماح للمرأة بمواصلة تعليمها أو الرعاية الصحية من دون الحصول على موافقة الوصاية من الذكور، كما السماح للنساء بالقيادة ودخول الملاعب الرياضية. والتغييرات التنظيمية التي تمت مناقشتها حول مشاريع المنتجعات الفاخرة في «نيوم» و«القدية» والبحر الأحمر، التي تتضمن إرخاء ضمنياً وصريحاً للأعراف الاجتماعية، هي مؤشرات على التغيير المشروع في وجهات نظر القيادة حيال التحوّل إلى مجتمع أكثر انفتاحاً وشمولية.

من جهة أخرى، يبرز تحدٍّ آخر، وهو تحقيق التوازن بين هذه الإصلاحات والانخراط في الحوار المناسب بشأن هذه المواضيع مع القاعدة المحافظة في المملكة، وستظل السمة الرئيسة لقطاع السياحة في المملكة هي ملايين المسلمين الذين يقصدون المملكة بهدف الحج كل سنة، وينبغي أن يؤخذ في الحسبان أمر إدارة التواصل مع نسيج اجتماعي أكثر اعتدالاً ممن يزورون المملكة. وكانت «مبادرة مستقبل الاستثمار» في أواخر شهر أكتوبر أظهرت أيضاً التطلّعات الجريئة والطموحة لولي العهد محمد بن سلمان وصندوق الاستثمارات العامة في مستقبل المملكة، إذ أُعلن عن استثمار بقيمة 500 بليون دولار لبناء مدينة نيوم الضخمة، التي ستُشغل كلياً بالطاقة النظيفة، والتي ستتضمن أحدث التقنيات الروبوتية، وتكون منطقة مستقلة مع إطار حكومي خاص يسمح بالمعايير الاجتماعية المختلفة، فضلاً عن الضرائب والجمارك وقوانين العمل. وأوضح مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» الذي عقد في الرياض، أن المملكة تحتاج أكثر من أي وقت إلى إنشاء نظام بيئي للتمويل، من مزيج من الاستثمارات الدولية والشراكات بين القطاعين العام والخاص والاستثمار الخاص لبناء اقتصاد حديث متنوع، ولإرساء ثقة المجتمع الدولي ينبغي إبراز الجهود المبذولة لتحديث وتعزيز الأمن والسلامة بشكل فعّال للمعنيين والمواطنين والسياح،الذين سيرغبون بزيارة المملكة في أعقاب الاستثمارات الضخمة التي ستضخ في قطاعهم السياحي. لقد أثبتت المملكة بشكل عام التزاماً قوياً بهذه المبادرات لبناء صناعة سياحة محلية ودولية أكثر قوة، فضلاً عن طرح التدابير تدريجياً لتغيير الانطباعات الخارجية بأنها أصبحت أكثر من مجتمع مغلق ومحافظ. وقيادة المملكة عازمة على استثمار رأس المال على نطاق واسع بالتعاون مع المجتمع الدولي لجذب العالم إليها، ما يشير إلى التزام السعودية بهذه الأهداف، انطلاقاً من ضرورة بناء اقتصاد مبتكر ومتوازن ومفتوح يمكن للعالم أن يأتي ويشهده في موقعه، وعندما يبيّن الزمن المستوى الذي يمكن أن تتحقق فيه رؤية 2030 بشكل كامل، فإن حقيقة أن الإصلاح الاجتماعي والتنويع الاقتصادي قد تم إرساؤه إلى هذا الحد، ينذر بسبل أمل يمكن الاعتماد عليها في مسيرة التحرّك نحو المستقبل.

 

 

* نائب رئيس لدى «بوز ألن هاملتون».

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة