|   

النسخة: الورقية - دولي

أثار شعار «الإسلام دين ودولة» الكثير من الخلافات والنقاشات، لكن الذي يَهم هنا هو النقاش الذي يدور حول حداثة الشعار، حيث يوجد تصوران أساسيان حول الموضوع. يقول الرأي الأول بحداثة هذا الشعار، منطوقاً ومضموناً، باعتباره نتاج تجربة التحديث والاندماج في النظام العالمي الحديث، وأن هذا الشعار يعبر عن تصور حديث للإسلام مرتبط بالإسلام السياسي ونشأته، فيما يذهب الرأي الثاني، والذي يجد جمهوره أساساً في تيار الإسلام السياسي، إلى أصالة هذا الشعار وأن الجديد ليس سوى المنطوق. لكن، لجهة المضمون، فإن الإسلام كان دوماً ديناً ودولةً. الشيء الذي يهمني هو محاولة فهم مصدر الخلاف بين هذين الرأيين، هل هو خلاف حول ما نعتقده بصدد الإسلام، أم أنه خلاف حول معاني الكلمات التي نستخدمها؟ بتعبير آخر، هل لدينا آراء متباينة حول طبيعة الإسلام، أم أننا نفهم أشياء مختلفة ونحيل على أشياء مختلفة عندما نتحدث عن «الدولة» أولاً وعن «الدين» ثانياً؟

سيكون من المجدي بدايةً التمييز بين طرحين متباينين داخل المعسكر الأول، بين تيار يرى أن الإسلام مجرد دين ولا يحمل أي مضمون سياسي، وكل ما هو سياسي كان ممارسة مدنية محضة من دون أي بعد ديني. ويعتبر عمل الشيخ علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» أول التعبيرات عن هذا الرأي. أعتقد أنه من الصعب الدفاع عن هذا الرأي، إن لجهة معرفتنا بتاريخ الإسلام أو لأن هذا التيار لا يساجل حول حداثة شعار «الإسلام دين ودولة»، إنما يذهب إلى نفي السياسة نفسها عن الإسلام الذي يفهمه في ضوء تصور معين للدين يقصره على العبادات فقط. يفهم هذا التيار الدين باعتباره مقتصراً على العبادات إذ تصبح المعاملات أمراً خارجياً لأي دين، والإسلام باعتباره ديناً يصبح مقتصراً على العبادات.

لكن هناك رأيا آخر داخل معسكر حداثة الشعار لا ينفي البعد السياسي عن التجربة التاريخية للإسلام ولكنه مع ذلك يقرر حداثة فكرة «الإسلام دين ودولة». هنا يدور السجال حول ماذا نفهم من «الدولة». الدولة هي مؤسسة تحتكر العنف الفيزيائي في شكل شرعي على أرضها، بما يتضمن أيضاً احتكارها السيادة التي تفترضها «شرعية» احتكار العنف. فكرتنا عن الدولة تمرّ عبر الإقليم (الوطن) الخاص بالدولة والذي يعيش عليه شعب الدولة، وأن الدولة تحتكر في شكل شرعي العنف داخل هذا الإقليم، وتملك تالياً حق السيادة بما تتضمنه من احتكارها حق القضاء والقانون (التشريع) وإقراره، ولاحقاً تقرير المصلحة العامة والحق العام وكل هذه الأمور. لكن تصور الدولة هذا هو تصور حديث، يجد جذوره داخل التجربة الأوروبية ابتداءً من عصر الملكية المطلقة.

تتباين الدولة الحديثة مع الدول التاريخية السابقة عليها حول كل عنصر من هذه العناصر تقريباً، فالدول التاريخية لم يكن لديها تصور عن الإقليم/الوطن، فسلطان «الدولة» يمتد إلى كل أرض تخضع لسلطتها، والدول لا تطالب بالسيادة بما يتضمن سيادتها التشريعية وسيادتها على تحديد الحق والخير، بل تترك المجتمعات المحلية عموماً لأعرافها الخاصة، وحتى عندما تتبنى نظاماً تشريعياً، مثل الشريعة الإسلامية، فهي تتولى البعد التنفيذي، فهي دول تحرس النظام الطبيعي للأشياء. تبدو الدولة الحديثة شديدة السطوة والحضور والثقل مقارنة بالدول السابقة عليها. لهذا نجد وائل حلاق، وهو ناقد للحداثة والعلمانية، يعترض على فكرة الدولة الإسلامية ويستخدم مقولة «الدولة» للإحالة حصرياً على الدولة الحديثة، بينما يستخدم «نظام الحكم» للحديث عن أنظمة الحكم السابقة على الدولة الحديثة. كذلك يفعل أرماندو سلفاتوري في مشروعه «سوسيولوجيا الإسلام» حين يستعمل تعبير «الدولة الويستفالية» للحديث عن الدولة الحديثة مميزاً إياها عن الدول التاريخية السابقة عليها.

الموقف المدافع عن حداثة هذا الشعار يحيل على أن مفهوم الدولة المستخدم هو مفهوم حديث ولن نعثر على مقابل له في تراث الفكر السياسي الإسلامي التقليدي.

في مقابل المعنى المُقيد للدولة، يستخدم المدافعون عن أصالة هذا الشعار معنى واسعاً لمفهوم الدولة، بل مفرطاً في سعته بحيث تتماهى «الدولة» مع «الإمامة». فيرون الدولة في كل تجربة حكم من دون أي اعتبار للتمييزات التاريخية بين أشكال الحكم المتباينة، وهكذا تصبح دولة المدينة دولة مثلها مثل أية دولة أخرى، دولة لويس الرابع عشر أو دولة الجمهورية الفرنسية الحديثة، وعليه فإنهم يسقطون على النصوص الكلاسيكية معاني معاصرة ومن دون تحوط لتاريخية المعنى.

وهذا التوسع في استخدام مفهوم الدولة يقود إلى إشكاليات ناجمة عن جمع تصورات متباينة حول الدولة، حديثة وقبل حديثة. هنا يبدو ما قاله المرشد السابق للإخوان المسلمين الراحل مهدي عاكف حول قبوله بحكم ماليزي مسلم لمصر مثالاً معبراً عن هذه الإشكالية. فالمرشد يتحرك داخل أفق التصور ما قبل الحديث للدولة التي لا تتماهى مع إقليم/وطن وشعب الدولة، بل في أفق نظام الحكم الإسلامي التاريخي الذي لا يُحدد بالأرض، فأرض الإسلام هي كل أرض يحكمها حاكم مسلم وتُقام فيها الشريعة، وأمة الإسلام هم جمهور المسلمين في نظام من التراتبيات يجعل من المسلم، بمعزل عن أصله ونشاته، عضواً في أمة المسلمين، بينما يقف القبطي الذي عاش هو وآباؤه على هذه الأرض خارج أمة المسلمين التي هي أمة الدولة. هذا التصور قبل الحديث سنجده طبعاً لدى العثمانيين أو المماليك، ولكنه في المقابل تصور متعارض مع فكرة الدولة الحديثة في شكل جذري.

هل يمكن القياس، كممارسة فقهية، على الدولة الحديثة انطلاقاً من تجارب الحكم التاريخية التي عرفها الإسلام؟ الإجابة عن هذا السؤال مرتبطة بإدراك الفارق النوعي بين الدولة الحديثة وأنظمة الحكم السابقة، وتالياً القيام بالقياس والذي سيكون بدوره اجتهاداً بشرياً. لكن الذين يؤكدون أن الإسلام دين ودولة لا يدركون هذا الفارق في المعنى بين الدولة الحديثة وتجارب الحكم التي سبقتها، وهم كأحزاب سياسية منخرطون تماماً في العالم الذي شكلته الدولة الحديثة ويمارسون السياسة داخل هذه الدولة ويسعون إلى السيطرة عليها واستخدامها، بكل سطوتها وجبروتها وقدرتها على التحكم والتدخل في حيوات البشر، وهو ما لم تقم به أية دولة سابقة.

في شكل مختصر، شعار «الإسلام دين ودولة» هو فعلاً شعار حديث يعبّر عن فهم جديد للإسلام في إطار العالم الحديث كونه يحيل على الدولة في شكلها الحديث، لكن هذا لا يعني أن الإسلام ليست لديه تجربة سياسية وتجارب حكم يحضر فيها الديني. في المقابل فإن من يدافع عن أصالة هذا الشعار يستعمل مفهوماً واسعاً للدولة، متغافلاً عن الفارق الأساسي بين الدولة الحديثة والدول السابقة عليها وما قد ينشأ عن هذا الفارق من تعارض.

إن أي نقاش حول «هل الإسلام دين ودولة أم لا؟» يجب أن يبدأ بالسؤال، أولاً وقبل أي شيء: ما الذي نعنيه بالكلمات التي نستعملها، دولة أولاً ودين ثانياً. عندها فقط سنريح أنفسنا من الكثير من سوء الفهم، فنحن في أحيان كثيرة لا نتحدث عن الشيء نفسه أصلاً.

 

*كاتب سوري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000