|   

النسخة: الورقية - دولي

تعوّد الفلسطينيون في إسرائيل على أن يكونوا هدفاً للتحريض الرسمي وغير الرسمي المتواصل ولمختلف ترجمات العقيدة الإسرائيلية المتطرفة ضدهم منذ نشأة الدولة العبرية، لكنهم لم يتوقعوا أن يتم إرغام أبنائهم في مرحلة الدراسة الثانوية أن يتعلموا ويُمتحَنوا على أيدي معلمين عرب بمادة تقول إن «المواطنين العرب أعداء لإسرائيل».

حتى قبل 20 عاماً اعتُبر تدريس الطلاب العرب في المرحلة الثانوية وامتحانهم في «التوراة اليهودية»، وليس الديانة الإسلامية أو المسيحية، ضرباً من الإكراه التربوي المعرفي تفتّق عنه ذهن أساطين الدولة العبرية عند إقامتها، ضمن سياسة الأسرلة والتجهيل، إلى أن فطن مَن فطن إلى أنه حان الوقت لوقف هذه المهزلة وإلغائها.

لكن الآن، ومع دخول إسرائيل عامها السبعين، وتحت إشراف زعيم المستوطنين نفتالي بينيت وزيراً للتعليم، اختارت الوزارة أن تصبّ جهودها في موضوع «المواطَنة» لطلاب المرحلة الثانوية، ولم تعد تكتفي بـ «تلقينهم» الرواية اليهودية كاملة، من دون سواها، حول إقامة إسرائيل «دولة للشعب اليهودي» وتعلّم تفاصيل «وثيقة الاستقلال»، بل ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك حين فرضت على مدرِّسي الموضوع العرب أن يعلموا طلابَهم أبناء جلدتهم بأن «العرب في إسرائيل (باستثناء الدروز) هم معادون للدولة». نعم، صدّقوا. ويتسق هذا التوجه مع التوجه العام للدولة العبرية في تعاملها مع سكانها الفلسطينيين خصوصاً في مسألة قمع أي نضال سياسي ولجم الوعي القومي وطمس هويتهم الوطنية والتعامل معهم كأقليات طائفية، أو التعاطي مع سلطاتهم المحلية من خلال إغراءات مالية وموازنات دعم معتبرةً عن سبق إصرار، مطالبهم مدنية واقتصادية وليست سياسية أو قومية.

ويعكس مضمون كتاب «المواطَنة» الجديد (بعد تعديله بروح يمينية عنصرية) كله السياسة التي انتهجتها الدولة مع المواطنين العرب باعتبارهم «خطراً أمنياً»، و «جزءًا من أمّة معادية». وترفض في هذا الكتاب، كما في سياستها العامة، أن ترى فيهم أقلية قومية إنما مجموعة طوائف، فتقدم باباً عن المسلمين وثانياً عن المسيحيين وآخر منفصلاً عن الدروز. ومما جاء في هذه الأبواب: «يُعرّف معظم العرب في إسرائيل أنفسهم كجزء من الأمة العربيّة، ونسبة كبيرة منهم يعرّفون أنفسهم كفلسطينيين... وهناك قسم آخر لا يؤيد الاندماج انّما يتضامن مع الصراع الفلسطيني ضد الدولة». في المقابل يشيد الكتاب بالدروز الذين «يعرّف كثيرون منهم أنفسهم كمجموعة إثنية منفصلة، من دون طموح قومي- سياسي، وهم مخلصون للدولة التي يعيشون فيها. يتكلمون اللغة العربية على رغم أن البعض لا يُعرّف نفسه كعربي».

ويضيف الكتاب، بهدف الترويج للتجنيد، كـ «حقيقة ناجزة» أنه منذ الانتداب البريطاني تحالف الدروز مع الاستيطان اليهودي واندمجوا في أجهزة الأمن في الدولة واستمر عدد كبير منهم في أداء الخدمة العسكرية ووصل البعض إلى رتب عسكرية عالية... وتصل نسبة الشباب الذين يخدمون في الجيش إلى 83 في المئة».

لم تنجح محاولات القيادة العربية، مدعومة بدراسة معمقة لأساتذة جامعيين، تغيير مضمون الكتاب على رغم توجههم إلى محكمة العدل العليا. وعلى رغم موافقة الوزارة على تعيين ثلاثة من الأساتذة الجامعيين العرب في لجنة المضامين التي تضع الكتاب إلا أن الملاحظات التي قدمها هؤلاء لتغيير بعض المضامين لم تناقَش، ما حدا بإثنين منهم إلى تقديم الاستقالة من دون أن يهزّ ذلك شعرة في رأس وزير التعليم أو كبار موظفي الوزارة الذين أقرّوا الكتاب بمضمونه من دون أي تعديل، مع إرغام الطلاب على الإجابة في الامتحان وفق هذا المضمون!

وحيال هذا الواقع، يقف المدرِّس العربي موضوع «المواطَنة» حائراً بين تلقينه طلابه مادة لا يؤمن بصحتها، وبين اضطراره تعليمها كونه موظفاً في وزارة التعليم. ويجد بعض المدرِّسين المنفذ من هذه الحيرة بالتوضيح لطلابهم بأنهم يدرسون مادة أملتها الوزارة الإسرائيلية من دون مراعاة الحقيقة وهي المادة التي سيُمتحَنون بها. وفي موازاة ذلك، يقدم لهم رأيه في الموضوع طارحاً الرواية من وجهة نظر العرب الفلسطينيين محذراً في الوقت ذاته طلابه من أن يكتبوا في الامتحان ما يقوله، خوفاً عليهم، أمنياً وتحصيلاً، وخشيةً من فقدان وظيفته!

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة