|   

النسخة: الورقية - دولي

لم أقتنع يوماً بأن مصر كانت تحتل السودان، والصحيح أن الدولتين كانتا خاضعتين للاحتلال التركي ثم البريطاني. ولم تعرف لا مصر ولا السودان حكماً وطنياً إلا بعد ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، وهي الثورة التي أجلَت الإنكليز عن مصر عام 1954، ثم استجابت للرغبة السودانية في تقرير المصير، وجرى استفتاء أدى إلى استقلال السودان في مستهل 1956.

لم تحتل مصر السودان لأن الجيش التركي هو من قام بالمهمة في عهد محمد علي، واستمر الاحتلال التركي للسودان باسم الخلافة العثمانية، حتى ثار محمد أحمد المهدي في قرية الجزيرة عام 1881، وتمكن من دخول الخرطوم واستعادتها عام 1885. وفي ذلك العام تمت عملية قتل حكمدار عام السودان تشارلز غوردن، وعلى الفور وقّعت بريطانيا اتفاقاً مع الآستانة بقيام جيش من مصر يقوده جنرالات إنكليز لإعادة السودان إلى حكم الخلافة، وكانت بريطانيا احتلت مصر قبل ذلك بثلاثة أعوام، وقضت على الثورة العرابية.

إن القرارات المتعلقة بالاحتلال والاستقلال لم تكن يوماً في يد القاهرة والخرطوم، ولهذا قامت الثورات في البلدين. وللذكرى، فإن ناقدي عبدالناصر ما زالوا يعتبرونه أنه أضاع السودان، بعد أن كنا بلداً واحداً. عبدالناصر لم يترك السودان لأنه ببساطة لا يملك السودان، وإنما هو قرار سوداني خالص احترمه الرئيس المصري على رغم حزنه الشديد، واحترمه المصريون.

وللذكرى أيضاً، فإن كتاب محمد فائق «عبد الناصر والثورة الإفريقية» يحكي عن محاولات عبدالناصر إقناع السياسيين السودانيين بالوحدة مع مصر بكل السبل، وكانت القاهرة أول عاصمة في العالم تعترف بالسودان الجديد. أكثر من ذلك فإن القرار المصري كان استمرار عمل المؤسسات التعليمية والثقافية هناك، كما ترك أسلحة الجيش المصري هدية للجيش السوداني.

وصارت العلاقات بين البلدين على أفضل ما يكون، ومن الدلائل الواضحة على ذلك، عندما قررت مصر بناء السد العالي وقعت الحكومتان اتفاقية 1959 لتقاسم مياه النيل، وعندما وقعت هزيمة 67 فإن قمة الخرطوم هي التي أعطت الأمل في تجاوزها، وكانت «لاءاتها» الشهيرة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومنحت عبدالناصر أملاً عريضاً في النصر المقبل، بعد الاستقبال الشعبي النادر له، وللقادة العرب في الخرطوم، ثم بعد تلك الهزيمة النكراء نقلت مصر كليتها الحربية إلى الخرطوم.

أما أن يرى البعض خلال احتفالات عيد الاستقلال في السودان فرصة مواتية لكي يقنع الرأي العام السوداني بأنها احتفالات بالاستقلال عن مصر، فذلك تضليل وتجهيز لمواقف أبعد، بعد تحالفات وهمية مع تركيا وقطر وجماعة «الإخوان المسلمين».

لم يدرك الحكم في الخرطوم أن معاداة القاهرة والتحرش بها في الأوقات كافة، أدى إلى انفصال الجنوب، وأن جزيرة سواكن التي أعطاها الرئيس السوداني إلي الرئيس التركي لتحويلها إلى قاعدة عسكرية، أكبر من هذا التحالف المقدر له الفشل، لأن هذه الجزيرة لن تكون سوى رأس حربة ضد استقرار مصر وليبيا والقرن الإفريقي. لأن رغبة الخرطوم في معاداة مصر لا يجب أن تصل إلى هذا الحد المؤذي للسودان نفسه، وإلى عدم القدرة على الرؤية السليمة، أو كما يقول المثل السوداني «الزول ينظر للفيل ويطعن في ظله». لقد كانت المناضلة مريم المهدي على حق حينما أعلنت عشية زيارة الرئيس أردوغان للخرطوم، ضرورة أن يعتذر «الوريث» عن الاحتلال الطويل لبلادها.

أما مثلث حلايب وشلاتين، فيتم استخدامه لحشد الرأي العام كلما أفاق من محاولات الحكم وحلفائه في الدوحة وأنقرة. إنه الاستثمار في الكراهية ضد مصر، إضافة إلى فيضان الإشاعات من نوع دعم متمردي دارفور بالأسلحة، وتعذيب السودانيين في مصر، بينما يعيش في مصر نحو مليون سوداني على الأقل (الرقم غير رسمي)، ومن ادعاءات وزير الخارجية إبراهيم الغندور بأن مصر سرقت من حصة السودان من مياه النيل.

والحقيقة أن مصر تعاني من مواقف السودان في مفاوضات سد النهضة، حيث تنحاز كلياً إلى أديس أبابا في قضية هندسية بحتة، وهي مدى تأثر دولتي المصب مصر والسودان من هذا السد.

على رغم كل ذلك فرد فعل القاهرة الرسمي متوازن، وهي حاولت الكثير مع الرئيس البشير، لدرجة تكريمه بعد كل هذه السنوات عن مشاركته في الفوج السوداني في حرب أكتوبر. هذا النظام الذي يعاديه البشير لمصلحة قطر وتركيا والإخوان، ويعانده لمصلحة إثيوبيا، هو الذي تذكر أن البشير كان هنا في حرب أكتوبر.

وأرى أن هذا الأسلوب في الرد، ينبغي أن ينتقل إلى الإعلاميين الذين يتناولون هذا الملف الشائك، لأن هناك شعباً محباً لنا في السودان، ويجب عمل كل شيء حتى لا تنجح خطط النظام الحاكم ونخسره، لأن السودان فعلياً ظهير لمصر، ولن تنجح الخطط الرديئة في فصل الشعبين، وإن بدت وكأنها تنجح.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة