|   

النسخة: الورقية - دولي

يواجه الفلسطينيون تحديات لا نبالغ إذا قلنا إنها الأخطر من كل ما واجهوه سابقاً. القيادة الفلسطينية اليوم أمام رئيس أميركي يعتبر أن قراراته، وقبلها قرارات الكونغرس، واجبة التنفيذ داخل الولايات الأميركية وفي كل بقعة من بقاع العالم. ترامب قرّر أن القدس هي العاصمة الأبدية لاسرائيل وهو، انطلاقاً من مفهومه لسيادة قراراته على العالم كله، اعتبر أنه هكذا أزاح القدس من أجندة أية مفاوضات أو مساع لحل الصراع في الشرق الأوسط وفي القلب منه بالطبع الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي.

هو موقف أعتقد أن هامش المناورة فيه غير موجود ولا يتيح أية امكانية للتذاكي أو الوقوع في وهم التحايل والمناورة، فترامب ذهب في مسألة فرض السياسة إلى الحد الأقصى ولم ينس خلال ذلك وبعده أن يطلق تهديدات واضحة وبالغة الصراحة بفرض عقوبات بقطع المساعدات المالية عن السلطة الفسطينية باعتبارها ترفض السلام!

بلغة السياسة اللبنانية هو استحقاق، ولأنه كذلك تشهد الساحة الفلسطينية نشاطات لا تتوقف من أجل مواجهته. هنا تحتدم الجدالات وتتعدد الاجتهادات والآراء والتي تنطلق كلها من أهمية رفض السياسات الأميركية، وتفترق في ما تقترحه من مواقف وقرارات فلسطينية لمواجهتها. من المهم في كل ما يحصل أن يتجنب الفلسطينيون أي ارتباك: صحيح أن السلطة ومؤسساتها تعيش على الدعم المالي الدولي ومنه الدعم الأميركي، لكن الصحيح أيضاً أن هذا الدعم لا يجوز له أن يكون ثمنا للتمسك بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني في وطنه وأرضه.

أعرف أن تأمين الدعم المالي البديل للسلطة ليس سهلاً ولكن مصاعب غيابه تظل في تقديري أهون الشرور التي نواجهها، من دون الوقوع أيضاً في وهم الوعود الخلبية البراقة من هنا وهناك والتي تطلقها أطراف عربية وحتى اسلامية ولا تنفذها كالعادة. سيواجه الفلسطينيون آثام ومخاطر سياسة ترامب لأن هذا قدرهم وسيواجهون حتماً مرحلة قاسية من العوز وعدم القدرة على تأمين رواتب موظفيهم كما شؤون معيشتهم الأخرى، لكنهم سيربحون أنفسهم هم الذين أسرفوا في رهانات عبثية على سلام زائف.

أعتقد أن الرهانات الفلسطينية على سلام برعاية أميركية كان يجب أن تتوقف منذ بدأت المماطلات والمراوغات الاسرائيلية في تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق أوسلو والتي كان عنوانها الفج تصريح اسحق رابين الشهير: لا مواعيد مقدسة!

ذلك ممكن وإن يكن مكلفاً ولعل أهم تكاليفه الخروج من أسر الحالة الفلسطينية الراهنة والمستمرة منذ عقدين وأكثر. نتحدث هنا عن الانقسام كما عن الفساد وعن خواء المؤسسات الرسمية والشعبية، من دون أن ننسى العلاقة البائسة التي تربط السلطة الفلسطينية بشعبها والتي وصلت الى أدنى درجاتها بسبب الفساد وغياب الحوار كما غياب المشاركة الفاعلة في القرار والمصير. بتلك العناوين لا يمكن الحديث عن مواجهة جدية تحقق أهدافها مع سياسة الولايات المتحدة الأميركية وعنوانها البارز إلغاء الوجود الفلسطيني وحقوقه الوطنية وفرض حل يقوم على معازل عنصرية صغيرة ومعزولة.

هي مرحلة صعبة تحتاج إلى الكثير من الوحدة والصبر للوصول إلى برنامج مواجهة سياسة بكامل الجدية، وهي تتأسس أولاً على الإقرار بفشل السياسات السابقة ووصولها إلى طريق مسدود، ما أصاب قطاعات شعبية واسعة بالإحباط ودفعها للابتعاد من المشاركة في العمل العام بمختلف وجوهه وإطاراته السياسية والحزبية والنقابية التي تحتاج إلى تجديد هياكلها باستعادة بنيتها الديموقراطية والخروج من الجمود واللافاعلية الراسخة اليوم بقوة المصالح الفئوية والمنافع الخاصة.

 

*كاتب فلسطيني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة