|   

النسخة: الورقية - دولي

ينتظر العالم بترقّب وتوتر كل صباح بتوقيت واشنطن تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي اعتاد أن ينشرها على حسابه الخاص في «تويتر» عند ساعة مبكرة من صباح كل يوم. تلك التغريدات التي غالباً ما تثير لغطاً كبيراً في الدوائر السياسية والإعلامية المحلية والدولية، بل بين أطراف صناع القرار من المقربين من الرئيس أنفسهم في دائرته الضيقة.

اليوم، مع اندلاع شرارة التظاهرات الشعبية التلقائية في شوارع مدن عدّة من إيران بما فيها العاصمة طهران، وقد وصل عدد القتلى من المتظاهرين برصاص الأمن إلى 20 قتيلاً خلال أقل من أسبوع بينما اعتقل المئات، تتباين التصريحات في واشنطن حيال الموقف الذي يجب أن تتخذه الإدارة الأميركية من طبيعة وشكل الإجراءات الملائمة لدعم هذا المد الشعبي المباغت في الشارع الإيراني الذي كان قد شهد في 2009 احتجاجات الثورة الخضراء، وقد تم إخمادها في مهدها بآلة قوات الباسيج الباطشة، بشراسة وعنف شديدين، وعلى مرأى ومسمع من إدارة الرئيس الأسبق أوباما التي لم تحرّك ساكناً في ذلك الوقت لدعم الشارع المنتفض ضد حكم الملالي الإلهي المطلق.

لم يتأخر ترامب عن موعده الصباحي اليومي مع تويتر في هذه المناسبة الاستثنائية، وسارع ليغرّد ما مفاده أن «الشعب الإيراني يتحرّك أخيراً ضد النظام الإيراني الوحشي والفاسد»، وأن «كل الأموال التي حررها الرئيس أوباما بحماقة ذهبت إلى تمويل الإرهاب أو إلى جيوب النظام، بينما الشعب الإيراني ليس لديه سوى القليل من الطعام، مقابل العظيم من التضخم وغياب حقوق الإنسان. أميركا تراقب». وبطبيعة الحال، فإن الأموال التي يتحدث عنها ترامب في تغريدته هي الأصول الإيرانية التي تم رفع عقوبات التجميد عنها وأعيدت إلى النظام الإيراني إثر توقيع دول 5+1 الاتفاق النووي، وهو يريد بهذا أن يؤكد على فشل سياسة سلفه التصالحية مع إيران، وأن ما ينفع مع نظام صدّر العنف والإرهاب إلى العالم بعد أن مارسه على شعبه وتمرّن عليه هي لغة العقاب والقوة وحسب.

إلا أن انتفاضة الشعب الإيراني هذه المرة لا تنطلق من دوافع سياسية خالصة كما كانت عليه الثورة الخضراء التي اندلعت رفضاً للانتخابات في حينها، بل هي تمثل صوت جيل جديد أصبح أقل تديّناً وتصديقاً لقدسية الملالي وسلطتهم الدينية التي تخفي تحت عمامات أصولييها نوازع القمع المجتمعي وبذرة الفساد التي أنتجت شريحة من محدثي النعمة والمتنفذين مالياً ممن اغتنوا على حساب حرمان الشعب من اقتسام الأرصدة الوطنية التي فك عنها أوباما الرباط، الأرصدة الوطنية التي من المفترض أن تنجز رخاء اقتصادياً وفرصاً للعمل لما يزيد عن 26 في المئة من الشباب الإيراني الذي يعاني من البطالة والفقر والقهر. هذه الفئة الشابة التي تشاركت أحلام الحرية عبر تقنيات الاستنغرام والتيلغرام السريعة الانتشار والتي لم تكن متوافرة لسابقتها في 2009، تحتفظ بخصوصيتها في مطالبها، وتعرف تماماً ضالتها ومكامن ضعف خصومها الأصوليين الذين يقفون اليوم خالي الوفاض أمام هذا المد الشعبي الذي يطالب بالفرص وعدالة توزيع الثروة من طرف، ونزوع المعتدلين من أهل الحكم إلى التغيير والانعتاق عن سلطة الملالي وعن مغامراتهم العسكرية العابرة للحدود. إنها احتجاجات تلبي رغبة هذا الجيل الشاب أن يكون مقبولاً في نادي شباب العالم، وأن يصير مجتمعه جزءاً فاعلاً ومنتجاً ومؤثراً من المجتمع الدولي بعد أن تعرض للنبذ والعقوبات والحظر ولخطف مبرمج لإرادته السياسية وأحلامه وحقه في اختيار ملبسه وطريقة حياته وكيفية التعبير عن رأيه من دون أن يناله غضب أصحاب العمائم السود من الدوغمائيين. وقد تكون تغريدات ترامب هي آخر ما تحتاجه تلك الفئة الشابة في حراكها المتنامي الذي منابعه داخلية معيشية، لكن مصبّه يتّجه نحو الدائرة الضيقة لمنظِّري الحروب المذهبية ودعاة التوسّع والهيمنة ممن ارتأوا صرف الثروات على التسليح والبلطجة لا على الخبز والتنمية، وعلى العزلة والهيمنة لا الانفتاح والشراكة.

خير الدعم الذين يناله المتظاهرون اليوم في المدن الإيرانية هو أن يُتركوا لشأنهم في إدارة احتجاجاتهم المحقّة دونما مزاودات أو شراء لمواقف سياسية. ولعل مشهد الفتاة التي صنعت من الشادور راية تلوّح بها في مقدمة إحدى التظاهرات هو أعلى درجات الرفض الشعبي لإملاءات للكهنوت الديني في إيران الذي يمارس سياسة «الذبح بالقطنة» على شعبه وشعوب الجوار دونما رادع.

فصل المقال في ما كتبه الصحافي الأميركي الشهير فيليب غوردون في جريدة «نيويورك تايمز» هو حين قال: «أفضل ما يفعله الرئيس ترامب لدعم الحراك الشعبي في إيران هو أن لا يفعل شيئاً البتة»!

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة