|   

النسخة: الورقية - دولي

على رغم الخطايا، الأصلية منها والطارئة، والتي لا يخلو تاريخ أي مجتمع منها، بوسع الولايات المتحدة أن تعتز بما حققته لأهلها ولغيرها، ولا يؤرقها أن يتصيد الطاعنون بها النواقص فيما هم ساكتون عمّا يطفح خارجها. إلا أن من يقدّر هذه التجربة النادرة في الرخاء والاستقرار والحرية، لا بد أن يضربه الأسى والأسف للملهاة المأساة التي أصبحت كفاف الإعلام اليومي، والتي تنبض فصولاً مع كل ما يرشح من هذا البيت الأبيض من تغريدات ونوبات وشجار، نجمها أبداً هذا الرجل الذي أقل ما يقال عنه أنه عاجز عن الارتفاع إلى ما يناسب الدور المطلوب منه والمهمة الملقاة على عاتقه.

لكن المسألة تتعدى التسالي والإحراج. ثمة ضوابط يفترض أن تعترض الإمكان الوارد للانزلاق إلى الحرب النووية، من دون أن تتوافر الضمانات لنجاعة هذه الضوابط. أما ما عدا مستوى فناء الكوكب والإنسانية، فالقيود التي تحدّ من العبث تكاد تنعدم.

خارج نطاق الإعلام، يتعايش الوسط السياسي مع هذا الواقع المنهك بالتطويق والسعي إلى تحقيق الاستفادة بالنسبة إلى الجمهوريين، وبالتضييق والسعي إلى التأسيس لعودة انتخابية بالنسبة إلى خصومهم الديموقراطيين. والأجدر أن تجد المعطيات والدروس المستفادة من هذا المجهود سبيلها إلى كل من عليه أن يتعامل مع الولايات المتحدة على مدى ولاية الرئيس الأولى هذه، وربما ولايته الثانية إن تمكّن من تكرار توظيف تخبط النظم وإحباط النفوس.

المعطى الأول أن شخصنة القرار والموقف والسياسة ليست تهمة عابرة بل حالة ثابتة، مع ما يلي ذلك من أن التفاعل مع الولايات المتحدة يتطلب أولاً اعتبار رغبات الرجل ومشاعره ونزواته، سواء كان ذلك لمراعاتها أو لإثارتها أو لتجنب عواقبها. هذا درس أدركته موسكو حتى قبل الانتخاب، ونجحت إلى اليوم بتجنب تداعيات تدخلها السافر في العملية السياسية في الولايات المتحدة، وذلك من خلال الإطراء (على أقل تقدير، ما لم تثبت التحقيقات أن الشبهات حول ما يتجاوز ذلك لها ما يبررها). وهذا ما أدركته بيجينغ كذلك، فجنت من حفاوتها تعطيلاً لتهديدات شتى بعواقب وخيمة لتعديات مفترضة. وهذا درس لم تدركه رام الله ولا أنقرة أو إسلام آباد، وثمن الرسوب فيه يتجاوز المبالغ التي من شأن الرئيس أن يحجبها عن هذه العواصم. ثمة شغف فائق لديه بأن ينال «الاحترام»، فإذا افتقده، من خلال قول ناقد، بل من خلال غياب التبجيل، فالويل والثبور.

المعطى الثاني أن أي موقف لدى هذا الرئيس، مهما بدا واضحاً وقطعياً، عرضة للتبدل الكلي بلمح البصر، من دون حاجة تصاحب التبديل لأي توضيح. بل التاريخ برمّته تتم إعادة كتابته، وسجل الأقوال والتغريدات الحافل بكل قول ونقيضه مخزن رحب لاستدعاء انتقائي يؤكد المواقف وأضدادها. باكستان «ابتدأت تحترمنا» بعد أن أقرّ مسؤول فيها بعظمة الرئيس، إلا أنه لم يصدر من باكستان إلا «الأكاذيب والخديعة» يوم غاب الإطراء. نتائج التذبذب هنا هي زعزعة التعاون في جهود مكافحة الإرهاب، بل ربما دفْع باكستان إلى المزيد من تعزيز علاقتها بالصين. أما هناك، فقال الرئيس بكلمة أعدّها طاقمه بمطلق الدقة، أن الإقرار بالقدس عاصمة لإسرائيل لا يبدّل موقف بلاده في شأن حدود سيادة إسرائيل على المدينة، فذلك من مواضيع التسوية النهائية. وعليه، اجتهد المدافعون (ومنهم كاتب هذا المقال) عن إمكان بقاء الولايات المتحدة في موقع الوسيط النزيه، إن لم يكن المحايد، بالتشديد على ضرورة عدم التفريط بالأصل الذي أقرّت به كلمة الرئيس. ثم كان لهذا الرئيس كلمة أخرى في تغريدة كتبها هو، أي أن فهمه إياها ليس موضع شك، نسف فيها مضمون الكلمة السابقة وأكّد فيها أن قراره في شأن القدس يقصي المدينة عن أي تفاوض. الرجل، على حد قناعته، أعطى المدينة لصديقه، والموضوع انتهى، وعلى الجميع أن يرضى أو أن يرضخ. غير أنه، بتغريدته ذاتها، عمد إلى تذكير صديقه في عاصمته الجديدة بأن عليه أن يدفع ثمناً ما للهبة. لا بد أن صديقه هذا قلق بعض الشيء للمطلب غير المحسوب، وإن كانت الهبة من المقدّم والثمن من المؤخّر، إلا أن في جعبته من المديح ما قد يكفي لإشباع الصديق الرئيس.

المعطى الثالث أن الولاء المطلق، والذي يطلبه الرئيس من كل من يعمل لديه أو يتعامل معه، لا يقابله وفاء منه لهم. وهذه القاعدة لا تقتصر على المساعدين والتابعين والمتملقين، بل تطاول أقرب المقربين. ما قاله ستيف بانون، كبير مستشاريه سابقاً، والذي نفسه شهد مقادير من الرفع والخفض من جانب الرئيس، يضاعف إمكان التوريط القضائي لكل من ابن الرئيس وصهره. لكن البيان الداحض بانون والصادر عن البيت الأبيض، والذي على ما يبدو أصرّ الرئيس نفسه على المساهمة في إعداده، لا همّ له إلا تأكيد أنه لا فضل لبانون بالفوز الانتخابي الهائل للرئيس.

هل يبقي الرئيس على وزير العدل أم يطرده؟ وماذا في شأن وزير الخارجية الذي كلما اتّخذ موقفاً صدرت عن الرئيس تغريدة تناقضه؟ والرجل الذي لا يسكت عن أي اعتراض مهما خفت لم يحرّك ساكناً يوم استهزأ بانون بابنته، فهل يرمي بزوجها، أو حتى بابنه هو، ككبش فداء لتجنب الوقوع في مصيدة المحقق الخاص حول قضية روسيا؟ قد تكون الإجابات عن كافة هذه الأسئلة النفي، ولكن طرحها ليس مغرضاً، بل نابع من إشارات وأقوال صادرة عن الرئيس نفسه. فالثابت الوحيد هو إصراره على بقائه في موقع الرئاسة والصدارة.

والخلاصة من هذه المعطيات أنه لا يمكن التعويل على واشنطن في المستقبل المنظور. فكما تبين تكراراً، يخطئ من يتوقع أن يكون في هذا التدحرج خطة ما وأن يكون العبث غطاءً تتخفى خلفه الرؤية الفذّة، ويتوهم من ينتظر أن يرتقي الرئيس إلى ما لا قدرة لديه على بلوغه من الاتزان والاطلاع والأدب بما يليق بالمنصب، بأي منصب. فالولايات المتحدة، هذه القوة العظمى الأولى في العالم والحاجة الجلية لتحقيق الاستقرار الدولي، هي للأسف في حالة وقف تنفيذ إلى أجل غير مسمّى.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة