|   

النسخة: الورقية - دولي

في دلتا النيجر، في الطرف الجنوبي الشرقي لنيجيريا، في منطقة إثنية الأوغوني، وهي واحدة من حوالى 250 إثنية تشكل البلاد، ارتكبت منذ سنوات جريمة كبيرة متعددة الفصول ممتدة الأثر. سكان «مملكة» الأوغوني وهم حوالى المليون، فقراء يقيمون على أراضٍ تبلغ مساحتها نحو الألف كيلومتر مربع، تقع على ضفاف تشعبات نهرية طينية وصلصالية تغطيها البحيرات الضحلة ومستنقعات المانجروف والغابات الكثيفة (الدلتا ثالث أكبر مساحة لأشجار المانغروف المائية في العالم). وكان السكان يعتاشون من الزراعة والرعي وصيد الأسماك... إلا أن باطن هذه الأرض مليء بالنفط.

الأوغوني أقلية صغيرة في أكبر بلد إفريقي. وقد اعلن إحصاء رسمي في 2016 أن تعداد سكان نيجيريا بلغ 193 مليوناً، ما يجعله أكبر بلدان إفريقيا لجهة السكان وسابع بلد في العالم من حيث الاكتظاظ السكاني. وفي 2014 وصل الناتج السنوي المحلي الإجمالي لاقتصادها إلى أكثر من 500 بليون دولار وتفوقت بذلك على جنوب أفريقيا، لكن نسبة الذين يقعون تحت خط الفقر تبلغ 70 في المئة! فلو كان للأرقام معنى، فهو لتبيان خطل استخدامها في شكل تقني مطلق ومن دون التدقيق في توزعها الاجتماعي.

وتأتي ثروة نيجيريا من النفط ولو أنها منتجة لمواد أخرى منجمية أو صناعية (النسيج مثلاً). وقد اشتهرت البلاد بُعيد استقلالها في 1960 بنشوب حرب أهلية فيها عُرفت بـ «حرب بيافرا» (1967 -1970) وهي المنطقة التي تشمل أراضي الأوغوني من بين سواها. ومات في تلك الحرب أكثر من مليون إنسان جوعاً (ويقال إن أعداد ضحايا الجوع وصلت إلى ثلاثة ملايين، وصارت بيافرا بصور أطفالها المرعبة مضرب مثل عن المجاعة)، عدا الذين قُتلوا في العمليات الحربية نفسها. وهي انتهت بهزيمة المحاولة الانفصالية التي كان قد حركها ما اعتبره الجنوبيون ظلماً يلحق بهم بسبب التوزيع غير العادل لعائدات الثروة النفطية وتحكم نخب الشمال المدنية والعسكرية بالسلطة.

وقد تلى ذلك اكثر من ثلاثة عقود من الحكم العسكري الشرس الذي بدأ في 1966 واستمر حتى 1999 حين تمت انتخابات عامة. في تلك السنوات اشتهر كينولا سارووينا، وهو شخصية من أقلية الأوغوني ساهم منذ مطلع السبعينات بتأسيس «حركة الحياة لشعب الأوغوني» (MOSOP) السلمية التي ناهضت بالكتابة والصورة (اللتين وصلتا الى العالم قبل وجود الإنترنت)، وببعض التجمعات والمهرجانات والتظاهرات، الاستغلال المنفلت من أي قواعد والذي كانت تمارسه شركات نفطية أجنبية، وتحديداً «شل» الإنغلو- هولندية للنفط منذ الخمسينات، بلا اعتبار للبيئة الزراعية والمائية، بحيث أدى التسرب النفطي الى تلوث الأرض والأنهار والمستنقعات التي يعيش الناس على ضفافها ويعتاشون منها ويستخدمونها. كما كانت تُلوِّث الجو بسبب تقنية حرق الغاز الدائم المنبعث أثناء استخراج النفط. وقد شهد العالم كله آنذاك صوراً لمساحات غابيّة وعشبية ومائية ممتدة يكسوها السواد، وبشر يزيحون برك النفط ليغتسلوا أو ليشربوا. ماتت الزراعة والمواشي وانتشرت الأمراض القاتلة بين الناس.

دانت منظمات حقوق الإنسان المختلفة وعلى رأسها «العفو الدولية» وكذلك منظمات بيئية وتنموية عالمية هذه الحال، وطالبت بلا طائل شركة «شل» والحكومة العسكرية باتخاذ ما يلزم. وحين حاول السكان احتلال آبار الاستخراج لتعطيلها، أرسلت إليهم قوات عسكرية برية ومحمولة. وقتل في المواجهة أربعة محتجين وجرح العشرات. ثم مولت شركة النفط منظمات حراسة خاصة مسلحة دربتها القوات الرسمية للجنرال الحاكم وقتها، ساني أباشا، الذي كان تواطؤه مع الشركة النفطية مطلقاً، واشترك معها باتهام السكان بأنهم مصدر التلوث لأنهم يثقبون أنابيب النفط لسرقته.

كان سارووينا كاتباً وروائياً ومنتجاً سينمائياً ومناضلاً بيئياً. وقد نال «جائزة نوبل البديلة» في 1994 مكافأة له على نضاله وإنتاجه الثقافي. وكان حينها في السجن لمرة جديدة. وبعد ذلك بأشهر حكمت عليه محكمة عسكرية بالإعدام شنقاً هو ورفاقة الثمانية أعضاء قيادة تلك الحركة، ونفذ الحكم بهم في تشرين الثاني (نوفمبر) 1995 في بورت هاربور، الميناء الكبير في الإقليم، الذي يأتي بعد مدينة إبادان التي درس سارووينا في جامعتها، كما مواطِنه النيجيري من إثنية اليوروبا الكبيرة، الكاتب العالمي ويلي سوينكا، أول إفريقي يحوز جائزة نوبل عام 1986... والذي درَس ودرّس هنا علاوة على جامعات عالمية عدة. وهو انتقد نظريات «الزنوجة» التي بلورها كتاب أفارقة عالميون كإيميه سيزير وليوبولد سنغور وغيرهما، قائلاً بطرافة أن النمر لا ينادي بـ «نمريته» بل يلتهم من يعتدي عليه!

أدى هذا الإعدام إلى تعليق عضوية نيجيريا في الكومنولث. وكان سارووينا قد غدا مشهوراً على نطاق عالمي ومعه القضية التي ناضل من أجلها، حتى اضطرت شركة «شل» في 1992 إلى التراجع بعدما افتضحت ممارساتها، فغادرت البلاد، ولكنها فبركت مع السلطة المحلية شركة نفطية فرعية. أرادت بذا نفض أيديها من الجرائم: الاستغلال البشع والتلويث وتدمير حياة مئات الألوف وتنظيم قمع وسجن وقتل العشرات من السكان وصولاً الى التحريض على هؤلاء القادة التسعة. وظلت تتبرأ الى ان لوحقت في الولايات المتحدة الأميركية حيث تنتشر جالية نيجيرية كبيرة وتنشط منظمات لحقوق الإنسان. لوحقت هناك بموجب قانون اميركي قديم يجيز ذلك حين تكون الشركة المدانة تمتلك نسباً كبيرة من المصالح والاستثمارات في أميركا، وإن لم تكن أميركية... وهو قانون ينطبق اليوم على كثير من الشركات بما أنها صارت معولمة. وقد وافقت «شل» في 2009 على دفع 15.5 مليون دولار تعويضات لمنطقة الأوغوني وعلى مباشرة تنقية وتنظيف التربة والمياه التي يقال انها ستتطلب ثلاثين سنة على الأقل.

وفي الشهر الأخير من 2017، كُشف النقاب عن عشرات الوثائق التي تدين الشركة النفطية العملاقة، نَشرت بعضها صحيفة «الغارديان» البريطانية. فعادت القضية برمتها إلى الواجهة. وتلاحق الشركة اليوم في بريطانيا منظمات حقوق الإنسان وأخرى تدافع عن البيئة وكذلك عائلات الضحايا الأربعة الذين قتلوا في المواجهات إبان الاعتصام في الموقع النفطي والذين اتهم سارووينا والحركة التي كان ينطق باسمها بتدبير قتلهم، واعتُمد ذلك لتبرير الحكم بإعدامهم!

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة