|   

النسخة: الورقية - سعودي

< أخشى ما أخشاه أن يكون «تعاطي» وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل في السياسة من باب «الفضفضة». فالرجل أتيح له، خلال الأيام الماضية، الجلوس مع مجموعة من وزراء خارجية دول العالم أثناء سعيه إلى تدويل أزمة الحريري التي افتعلها مع رئيسه سماحة السيد ميشال عون، ومن موسكو التي التقى فيها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خرج «منتشياً»، وبدأ بالتهديد والوعيد للسعودية، إذ قال رداً على سؤال يتعلق بإمكان ترحيل اللبنانيين منها: «إن اللبنانيين يعملون بنشاط، ويسهمون في بناء وازدهار الخليج والمملكة، وإن لبنان سيرد في حال اتخاذ خطوة كهذه»! وأكد في تصريحه البهلواني أن «لبنان لديه القدرة بما يكفي لفعل ذلك في حال حدث».

ويأتي حديث باسيل وسط حملة غير مسبوقة يشنها الإعلام والمسؤولون اللبنانيون على السعودية بأنها لا تعدو كونها دولة «جمال وخيم»، وأنها لم تطلق رصاصة واحدة ضد الاحتلال الإسرائيلي في تاريخها، وأنها باختصار «دولة نفط وقلة ثقافة وغباء ورعونة».

طبعاً الإعلام اللبناني، لاسيما الموالي لحزب الله والنظام السوري ولإيران، ضليع في كيل الشتائم والتضليل والتطبيل، ومن السهل كشف وضاعته وانتهازيته، لكنني لو أردت الرد عليه «لأصبح الصخر مثقالاً بدينار». بينما ما أخشاه اليوم حقيقة ويشغل فكري أن يقوم باسيل بهجمة استباقية على السعودية يسحب من خلالها «العمالة اللبنانية» كما أطلق عليها، ولا أعلم عندها من سيبني لنا؟ ومن سيقودنا إلى الازدهار؟

ترى ما الذي لدى باسيل ليضرب بمصالح أكثر من 350 ألف لبناني يقيمون في السعودية عرض الحائط، ليهددها به عندما يقول: «إن لبنان لديه القدرة بما يكفي للرد على السعودية في حال طرد العمالة اللبنانية». عبثاً حاولت أن أجيب على هذا التساؤل، حقيقة لم أجد، وحتى أنت عزيزي القارئ إذا صادف وتمكنت من الإجابة، فأتمنى عليك أن تفيدني في هذه المعلومة، فحقيقة أنا لا أذكر أن للبنان أي فضل على السعودية، بل على العكس لولا السعودية لما كان هناك شيء اسمه لبنان، هل أبالغ إذا قلت ذلك؟ لا أعتقد والشواهد كثيرة، لكن ذلك ليس موضوعنا اليوم، بل هو الحملة التي يقودها الرئيس اللبناني ميشال عون و«صهره» نيابة عن حزب الله وطهران.

السقوط الأخلاقي لسماحة السيد ميشال عون كان محفزاً لمسؤولين وشخصيات ووسائل إعلام لبنانية لكيل الشتائم للمملكة، فهذا «المتسول بصيغة رئيس تحرير إحدى الصحف اللبنانية» الشهير برسالة الاستجداء لرئيس النظام السوري والتي يطلب فيها دعمه المادي نظير خدمات «التطبيل والتلميع» أراد أن يشتمنا فمدحنا من حيث لا يدري فوصفنا بدولة جمال وخيم!

نعم نحن دولة جمال وخيم، لكن من قبلهم دولة رجال لا يباعون ولا يشترون، بنوا هذه البلاد بسواعدهم، لم يبنها لهم المستعمر، حافظوا على هويتهم، ولم يمنحها لهم قائم بالأعمال، يعملون لغد أفضل متكلين على الله في تسيير جميع أمورهم وإنقاذهم، لا على خروج منقذ من سرداب، يستمدون قوتهم من تكاتفهم لا من طهران ودمشق.

نعم نحن دولة جمال وخيم إن كان هذا الحديث يسعدكم، لكن في المقابل نحن المملكة العربية السعودية، من لم يسمع بهذا الاسم، هذه الدولة التي لم تكن في يوم أقوى مما هي عليه اليوم.

نعم نحن دولة الجمال والخيم التي بنت دولتكم، واحتوت أبناءكم، ورأبت صدعكم، واليوم تتحمل صداعكم.

نعم نحن دولة الجمال والخيم التي أملت أن تعزز عروبة لبنان وأن يتمتع شعبه بالرفاه، فاستهدفتم عروبتها ورفاهها.

نعم نحن دولة الجمال والخيم التي تسعون للتقليل من شأنها، لأنها أعطتكم أدوات الحياة، واليوم تكافئونها بأدوات الموت.

حسناً اختبرتم صبر دولة الجمال والخيم هذه، واختبرتم دبلوماسيتها، واختبرتم نفسها الطويل، لذا آن الأوان أن تختبروا حزمها، فهي تحملت الكثير من الإساءات من القريب قبل البعيد، تعالت عن الردود والخوض في مهاترات، تعرضت لمؤامرات تستهدف قيادتها وأمنها ومكتسباتها، بل حتى سيادتها أيضاً من القريب قبل البعيد، وعلى رغم ذلك تعاملت تعامل الكبار، وغضت النظر، أملاً بأن يعود الصغار إلى رشدهم، ثم تطور الأمر أكثر، فهي اليوم تتعرض لحرب تستهدف جميع مكوناتها، وتهدد شعبها، كان لا بد للمارد أن ينتفض، لاحظوا معي، عندما تعرضت السعودية لمؤامرات استهدفت القيادة بشخصها، تعاملت بتسامح مع الأمر، لكن عندما أصبح الخطر يهدد المواطنين، انتفضت القيادة لحمايتهم في مشهد يجسد الولاء، ويعظم الشعور بالمسؤولية، هذا المشهد لا يستطيع الكثير من عرب الشمال استيعابه، فاختلاف الثقافة يدفعهم للتخبط في تفسير أي أمر قد تشهده هذه البلاد، ومن السذاجة بمكان السعي لإسقاط تلك الثقافة على الثقافة السعودية تحديداً، التي تعد نتاجاً متوارثاً من جيل إلى جيل لم يقتحمها فكر معلب خلافاً لمجتمعات أخرى تتشظى هويتها ويتخندق سياسيوها نأياً بأنفسهم عن مصلحتها.

 

Saud_alrayes@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000