|   

النسخة: الورقية - سعودي

< أخيراً جاء لبنان رئيس يمنح الشرعية لسلاح حزب الله، ففي يومه الخامس بعد المئة، أجرى الرئيس اللبناني ميشال عون حديثاً مع تلفزيون سي بي سي المصري، قال فيه رداً على سؤال حول مستقبل سلاح «حزب الله»: «طالما هناك أرض تحتلها إسرائيل التي تطمع أيضاً في الثروات الطبيعية اللبنانية، وطالما أن الجيش اللبناني لا يتمتع بالقوة الكافية لمواجهة إسرائيل، فنحن نشعر بضرورة وجود هذا السلاح، لأنه مكمل لعمل الجيش، ولا يتعارض معه».

نظرية تتنافى مع العقل والمنطق قدمها الجنرال عون بحديث يحمل الكثير من الدلالات السلبية، وأيضاً الإشارات غير المبشرة لمستقبل لبنان، فالتصريح ورد على لسان رئيس جمهورية وقائد للقوات المسلحة، وعلاوة على ذلك كان قائداً سابقاً في الجيش، ثم يلقي كل ذلك خلف ظهره، ويعلن أن جيشه ليس قوياً بما يكفي، وأن بلاده تحتاج إلى ميليشيا للدفاع عنها! لا أعلم كيف يمكن استيعاب إسقاط هيبة دولة وزعزعة ثقة جيشها على لسان رئيسها؟ وهذا ما دفع النخب والأوساط اللبنانية في الداخل إلى انتقاد ذلك الحديث ودلالاته، وبطبيعة الحال، لم تقتصر تلك الضجة على اللبنانيين، بل تجاوزت إلى الجوار، لما يشكّله ذلك من إرباك للمشهد اللبناني برمته، فبهذا المنطق يدشّن الجنرال عهداً جديداً باعتراف لبناني صريح بأنه شريك في سفك دماء الشعب السوري وتهجير أبنائه، ومن قبله العراقي، ومن قبلهم جميعاً اللبناني، وهو ما يتطلب تفسيراً من الرئيس عون، فهل هو متأكد أن شرعنة سلاح حزب مصنف إرهابياً في المنطقة وفي دول أوروبية وفي الكونغرس الأميركي خطوة في الاتجاه الصحيح؟

منذ عام 2000، أي بعد انسحاب إسرائيل من لبنان، وحتى يومنا هذا مزّق حزب الله النسيج الاجتماعي اللبناني، وتسبب في كوارث ودمار هائل في البنى التحتية للبنان، بعضها ما زال قائماً حتى الآن، ومنذ العام 2006 عمل الحزب على إفساد الحياة السياسية الداخلية، وفي عام 2008 استخدم الحزب السلاح الذي يشرعنه اليوم الرئيس عون بانتهاك الدولة، بعد أن سيطر على بيروت، واقتحم منازل اللبنانيين، وبعد هذا التاريخ المفصلي، كرّس الحزب نفسه كمسيطر على لبنان وقراراته، سواء في الداخل أم الخارج.

الحزب وباعتراف أمينه لا ينفذ أجندة وطنية، بل إيرانية، والأسوأ من ذلك أنه ميليشيا مغلقة مذهبياً تقتصر على طائفة واحدة، وتتعامل بهذا المنطق الذي يعزّز التطرف، فهل ينقص لبنان مثل هذا المسار؟ وهل بالإمكان شرعنة كل ذلك؟

خارج لبنان، الحزب لا يمثل نفسه، بل هو ذراع إيرانية، لذلك أينما وجدت مناطق الصراع التي تكون إيران طرفاً فيها وجد الحزب بسلاحه، من اليمن إلى سورية مروراً بالعراق، ففي سورية على سبيل المثال لم يمارس حزب الله أية مقاومة، فإسرائيل بالاتجاه الآخر، وعوضاً عن ذلك مارس العدوانية على الشعب السوري الذي استضاف عناصره، وآواهم قبل ذلك، وكان لافتاً أن السلاح اللبناني الذي شرعنه الرئيس عون أسهم في قتل وتهجير السوريين، ولعل القصير والقلمون لا تزالان ماثلتين أمامنا حتى اليوم، فالسلاح هو ذاته الذي استخدم ضد أبناء الشعب السوري بحجة وجود متطرفين، هو من هجّر أهالي هاتين المنطقتين، وهو نفسه من يعيد التوطين فيهما بصبغة مذهبية.

حسناً، طالما أن الحزب ادعى أنه جاء لمحاربة المتطرفين، والمتطرفون خرجوا، فما الداعي لتهجير سكانها؟ بطبيعة الحال لن يجد الحزب أي مبرر لهكذا خطوة طائفية، لكن ذلك يؤكد نوايا الحزب وخطورتها. هذا من جانب، أما الجانب الذي لا يقل أهمية، فهو أن الذهاب إلى سورية بحد ذاته وإخضاع بعض مناطقها لسيطرته يعد استخفافاً بإعلان بعبدا عام 2012 والذي ينص في أحد بنوده على: «تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليميّة والدوليّة، وتجنيبه الانعكاسات السلبيّة للتوتّرات والأزمات الإقليميّة، وذلك حرصاً على مصلحته العليا ووحدته الوطنيّة وسلمه الأهلي، ما عدا ما يتعلق بواجب التزام قرارات الشرعيّة الدوليّة والإجماع العربي والقضيّة الفلسطينيّة المحقّة»، وفي بند آخر: «الحرص تالياً على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانيّة السوريّة، وعدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان، وباستعمال لبنان مقرّاً أو ممراً أو منطلقاً لتهريب السلاح والمسلحين، ويبقى الحقّ في التضامن الإنساني والتعبير السياسي والإعلامي مكفولاً تحت سقف الدستور والقانون».

جميع تلك المعطيات تنافي رغبة الرئيس عون، وتؤكد أن سلاح الحزب ليس مكملاً لسلاح الجيش، كما أنه لم يعد سلاح مقاومة، فأراضي لبنان المغتصبة تمت استعادة نحو 99 في المئة منها، والواحد في المئة المتبقي لا يبرر للحزب تعطيل الدولة في الداخل، وإقصاء لبنان العربي عن محيطه في الخارج، وأيضاً لا يبرر أي تصرف قد يجر الويلات على لبنان، والحزب يدرك ذلك جيداً، فهو لا يجرؤ اليوم على جر إسرائيل لمواجهة عسكرية تكون فيها نهايته حتمية، وأيضاً دمار هائل للبنان، لذلك يكتفي بخلق مبررات لوجوده وممارساته.

على رغم أن لبنان يمر بأزمة اقتصادية خانقة، ويعتمد على المساعدات، إلا أن لا شيء يعوقه ويعرقل مسيرته أكثر من أن يكون قراره بيد ميليشيا لا تنفذ أجندة قومــــية، بل خارجية، لذا فالأهم أن يكون هذا القرار بيد أبنائه وبما يخدم مصالح الـــدولة ومحيطها العربي، وهذا بالتأكيد لا يتأتى مع شرعنة سلاح ميليشيا طائفية تختطف ذلك القرار، تدعي المقاومة في الخارج، وتمارس الإرهاب في الداخل.

 

Saud_alrayes@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة