|   

النسخة: الورقية - سعودي

سامح الله المتنبي، فببيت واحد من شعره قال فيه: «يا أمة ضحكت من جهلها الأمم»، أوهمنا لقرون أننا جهلاء والأمم الأخرى أكثر تقدماً.

أما «أممنا» الحالية التي يتصدر مشهدها بان كي مون فتقول العكس، إذ إنها أدرجت التحالف العربي ضد المتمردين الحوثيين في اليمن على اللائحة السوداء للبلدان التي تنتهك حقوق الأطفال، وذلك ضمن التقرير السنوي الذي يعرض محنة الأطفال ضحايا النزاعات المسلحة في العام 2015 في 14 بلداً.

تلك جزئية من التقرير، ولم نطلع على بقية التفاصيل والكيفية التي أدرج فيها التحالف في هذه القائمة، وتبقى الرؤية غير واضحة لنا، لكن لنفترض أن التقرير مكتمل ولنأخذ به، ونناقش بعض تناقضاته، فمن جهة يحمّل التقرير التحالف المسؤولية عن قتل 60 في المئة من حصيلة تبلغ 785 طفلاً، و1168 قاصراً جريحاً في اليمن العام الماضي. ومن أصل 762 حالة تجنيد أطفال حددتها الأمم المتحدة، يشير التقرير إلى أن 72 في المئة منهم جنّدوا من الحوثيين، و15 في المئة من القوات الموالية للحكومة، و9 في المئة من تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية. وخلص التقرير إلى أن التحالف مسؤول عن 60 في المئة من وفيات وإصابات الأطفال العام الماضي وقتل 510 وإصابة 667.

أول ما يتبادر إلى الذهن دقة الأرقام التي أوردها التقرير، إذ يستعرض تفاصيل التفاصيل، وهذا لا شك يضعفه كثيراً، فكيف تمكنت الأمم المتحدة من إحصاء هذه الأرقام؟ ومن الذي أمدها بها؟ بالطبع هذا سؤال مشروع، وطالما أن مؤسسات وهيئات ولجان الأمم المتحدة كانت تستقي معلوماتها عن بُعد، فالشك في صحة التقرير هو الأمر البديهي. وطالما أن الأرقام تتحدث عن إدانة التحالف وتضعه في خانة واحدة مع الانقلابيين والقاعدة، فلا شك أن العقل سيرفض ذلك، ومن الواجب أن نتساءل: كيف لمنظمة دولية أن تستقي معلوماتها من ميليشيا مسلحة تسعى إلى السيطرة على دولة وتنقلب على حكومتها الشرعية؟ ألم يكن من المنطقي استقاء المعلومات من الشرعية التي تعترف بها المنظمة، إلا إن كانت الأمم المتحدة تعتبر الحوثيين ميليشيا شرعية وحركتهم الانقلابية تدخل أيضاً في إطار الشرعية الدولية؟ وهذا بطبيعة الحال يتناقض مع قرارات الأمم المتحدة التي تم التصويت عليها، بغض النظر عن علاقة الود المفاجئة بين المجتمع الدولي والحوثيين.

التقرير يعترف بأن الحوثيين مسؤولون عن 72 في المئة من حالات التجنيد في البلاد، فيما كان نصيب القاعدة 9 في المئة، إذاً فنحن نتحدث عن 81 في المئة من أطفال اليمن تم تجنيدهم من الحوثيين والقاعدة، فكيف يمكن لنا أن نستوعب النسب التي أوردها التقرير بتحميله التحالف مسؤولية مقتل 785 طفلاً؟ الإجابة ببساطة أن 635 طفلاً، إن كانت أرقام التقرير صحيحة، قُتلوا وهم يحملون السلاح باعتراف التقرير نفسه، وبالتالي كان عليه أن يناقش تجنيد الأطفال ومحاسبة من يقوم بذلك، فالمقاتلة والمدفعية والصاروخ على سبيل المثال لن تتمكن من التفريق بين ابن العاشرة وابن الـ18 عندما يحملون السلاح، ما لم تكن لدى الأمم المتحدة قدرات خارقة بهذا الحجم، وعندئذ عليها أن تمدنا بها.

بعد هذه القراءة السريعة، يحق لنا أن نتساءل لماذا لم نشاهد أو نسمع أو حتى نتلمس حرص الأمم المتحدة على الأطفال في دول غير اليمن؟ ترى هل يُشاهد بان كي مون البراميل المتفجرة في سورية؟ أم أنه يغض النظر عن الغارات الروسية التي تستهدف المستشفيات والمدارس والمدنيين بالصوت والصورة؟ ترى هل أحصى مون أعداد الأطفال السوريين الذين سقطوا بالأسلحة التقليدية وغير التقليدية هناك؟ أم هل سمع عن العراق والانتهاكات التي ترتكب في حق النساء والأطفال والشيوخ بقيادة أميركية إيرانية كتف بكتف؟ ألم تستفز تلك الصور الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة ليلى زروقي التي قدم مكتبها التقرير المتعلق باليمن؟ ترى أين كانت الأمم المتحدة عندما شنت الولايات المتحدة الأميركية حربها ضد أفغانستان والعراق، وضربت الملاجئ والمستشفيات والمدارس ودور العبادة؟ وأخيراً وليس آخر: ماذا عن أطفال فلسطين وما يتعرضون له من قتل وتهجير على أيدي العدو الإسرائيلي؟ تلك أسئلة لا بد أن نبحث عن إجاباتها، لا لأن تقريراً مشكوكاً في أرقامه يتهم التحالف العربي، بل لأن الكيل بمكيالين أصبح أكثر وضوحاً في منظمة يفترض بها النزاهة.

التقرير الصادر لا ينصف اليمن ولا أبناءه، ولا ينصف التحالف الذي يضحي من أجلهم، فالتحالف سعى للحلول السلمية، والدول الرئيسة فيه قدمت المبادرة تلو الأخرى للحفاظ على اليمن، لكن الحوثيين والمخلوع أصروا على قوة السلاح، ولا يمكن لأحد أن يتصوّر رغبة حقيقية لقتل يمني واحد، لكن الانقلابيين من جانبهم راهنوا على ذلك من خلال الدعم الذي يأتيهم من طهران، فهل كان بإمكان الحوثيين القيام بكل ذلك لولا دعم إيران المنظم؟ أشك لأنهم أقل قدرة بكثير، لذلك لو تتبعنا أسلوبهم لوجدنا أسلوب حزب الله في لبنان يطبق في اليمن من الحوثيين.

التقرير وتوقيته وضعفه لا يخدم اليمن إطلاقاً، بل إنه يعرقل أي حلول سلمية أو محادثات من اللافت أنها برعاية الأمم المتحدة! كما أنه يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن تلك المنظمة الدولية ما هي إلا ألعوبة تخدم مصالح الدول الرئيسة في تلك المنظمة والتي يمكن تلخيصها في كلمة واحدة فقط.. ابتزاز!

 

saud_alrayes@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة