|   

النسخة: الورقية - سعودي

مشاريع الإصلاحات الضخمة التي تنتهجها الكثير من حكومات العالم، وتحديداً الإصلاحات الاقتصادية، وعلى رغم كل مراحل الدراسات والبحوث التي تخضع لها، وعلى رغم كل البريق الذي يواكب الإعلان عنها، وما سيترتب عليها من نتائج إيجابية على الاقتصاد المحلي، إلا أنها عادة ما تصطدم في مراحلها الأولى بالشارع الاقتصادي، ممثلاً بالمستهلك للخدمة، أو المنتج والجهة المصنعة لها، والجهة المسوقة، والجهة المنفذة، كل هؤلاء عادة ما يستقبلون مثل هذه الإصلاحات بجفاف وبتأفف تصل في الكثير من الحالات إلى الرفض وعدم القبول. ويعود ذلك إلى التنظيمات الجديدة والإجراءات التصحيحية للسوق، والتي من بينها إجراءات تنظيمية للهيكلة والمواصفات والمتطلبات، أو في الجانب الآخر تنظيمات مالية مباشرة، كالرسوم، والضريبة، والغرامات، ورفع الفائدة على القروض.. إلخ. هذه هي الصورة النمطية السائدة في الكثير من دول العالم، ونسمع بين الحين والآخر عن ردود الأفعال التي تلي صدور مثل هذه الإصلاحات. والسعودية بطبيعة الحال ليست في منأى عن العالم، بل هي إحدى الدول الأعضاء في قائمة الدول الـ20 (G20)، وهي رائدة من رواد الصناعة النفطية والبتروكيماوية في العالم، وبالتالي أحد أهم الدول المؤثرة في اقتصادات السوق العالمية.

نخلص من كل ما سبق إلى أن الإصلاحات الاقتصادية التي تشهدها السعودية منذ عام تقريباً وتطرح مشاريعها تباعاً، يرى المشرعون والاستشاريون أنها لم تعد إصلاحات ذات خيارات مفتوحة، بل إنها أصبحت ملزمة وضرورية، ومن دونها لا يمكن أن تكتمل منظومة إنعاش الاقتصاد وتصحيح وضع السوق.

والقضية المثيرة للجدل التي يتم تداولها هذا الأسبوع بشكل واسع وهي القضية التي أصطلح على تسميتها: « #الفواتير_المجمعة» وحملت وسماً شهيراً، كانت معظم التفاعلات منصبة من أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والتي تمثل عَصّب الحراك الاقتصادي في السوق السعودية، إذ تركزت معظم الشكاوى على حزمة إجراءات وزارة العمل التي توالت تباعاً خلال الفترة الماضية، والتي تمثلت برسوم الوافدين، وسعودة بعض القطاعات، وأخيراً، الفواتير المجمعة، وذهب الكثير منهم إلى أن الوزارة تضيق الخناق عليهم لدرجة شعروا معها أنهم مستهدفون أكثر من العمالة الوافدة، وأشاروا إلى عدم قدرتهم على الصمود، وأن السوق ستشهد في ظرف زمني بسيط مغادرة الكثير من المؤسسات السوق، وإعلان إفلاسها، وهو ما سيؤدي إلى تفاقم أزمة البطالة التي ارتكزت معظم الإصلاحات الاقتصادية في سوق العمل على معالجتها. وعلى رغم رد الفعل هذا، الذي شابه بعض الحماسة من كثير من رواد الأعمال، وهو بلا شك رد فعل طبيعي لمستثمرين شباب لم يقفوا على أقدامهم بعد، وتعرضوا لهزة مالية عنيفة نتيجة تراكم الإجراءات والرسوم التي قد تخرجهم من السوق، وهذا هو ما نحن بصدد معالجته، إلا أنه في المقابل نجد جانباً من الإقناع في وجهة نظر وزارة العمل التي وجدت أن تضخم وضع العمالة الأجنبية في السوق منذ عقود من الزمن لم يعد يجدي معه مشروع نطاقات، أو المشاريع التنظيمية الأخرى، إلى جانب أن الوضع العام لهيكلة السوق غير مثالي أبداً، ولا يخدم على المدى القريب والبعيد خطط توطين المهن، وسعودة الوظائف، ووقف شبح التستر، الذي وصل مراحل متقدمة من السيطرة على السوق، ولكل ذلك رأت وزارة العمل أن الإقدام على هذه الخطوات التصحيحية من شأنه أن يعيد الأمور إلى نصابها، حتى وإن لامس الضرر البعض ولفترة زمنية محددة، إلا أن الوزارة ترى أن عملية «الكي» هذه تكمن ضمن أوجه العلاج الشامل.

وبين وجهتي النظر، الأولى الشاكية، والمتضررة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والثانية من وزارة العمل، أرى أن إمكان سد الفجوة، ومنع الجفوة، يمكن بالجمع بين المصلحتين واردة وليست بتلك الصعوبة، بحيث يمكن أن تستكمل الوزارة مشاريعها الإصلاحية التي ستحقق في النهاية الهدف الاستراتيجي، ولكن في المقابل بقليل من المرونة والجدولة الزمنية، إذ إن ألم الشكوى يكمن في أن كل برامج الإصلاح توالت بعد بعضها من دون فواصل زمنية تتيح لرواد الأعمال التقاط أنفاسهم وتدوير أرباحهم البسيطة لسد الثغرات التي واجهتهم بها الرسوم الجديدة.

فالسؤال العريض الذي سيطرح، ما فائدة كل هذه الإجراءات التصحيحية إذا كان الفاقد في سوق رواد الأعمال كبيراً ومتسارعاً؟

 

Khaliddarraj@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة