|   

النسخة: الورقية - سعودي

< المتابع للمواقف السياسية الاستراتيجية للسعودية ولآلية صناعة القرار السياسي فيها، يدرك أنها وعبر تاريخها وطوال حقب زمنية مختلفة وهي تتخذ من «سياسة النفس الطويل والتريث والأناة وإعطاء المزيد من الفرص» إحدى أهم ركائزها في التعامل مع الأحداث والأزمات، سواء أكان ذلك من المحيط القريب حولها أم حتى من القضايا الدولية المتداخلة في المنطقة والعالم.

ولم يشهد التاريخ السياسي للسعودية أي قرار أو رد فعل فوري لحدث أو لأزمة ما، بما فيها الأزمات الكبرى التي تحولت فيما بعد إلى حروب، ولعل أهمها حرب الخليج الثانية التي نتجت من خلال غزو العراق للكويت، أو بشكل أقل حرب اليمن على الميليشيات الإيرانية الحوثية، التي انطلقت تحت مسمى «عاصفة الحزم»، وتمتد تلك الاستراتيجية حتى في الأزمة القطرية بمرحلتيها الأولى والثانية، إلى جانب العديد من الأحداث والمواقف الخامدة، التي عالجتها السعودية بما تقتضيه المصلحة مع دول الجوار والحوار.

فعند انفجار أزمة الغزو العراقي للكويت، يذكر المراقبون والعالم أجمع لحظات الصمت السعودي لإعلان الموقف الرسمي التي امتدت أكثر من يومين، بعد أن أحكمت القوات العراقية سيطرتها الشاملة على الأرض الكويتية كافة بعد غزو شامل لم يستغرق ساعات، ورأى الملك فهد في حينها أن يؤجل إعلان الموقف أولاً.. ثم القرار ثانياً، بعد أن يستنفد كل محاولات نزع فتيل الأزمة والتواصل مع صدام حسين، ثم باجتماعه مع عزت إبراهيم في جدة، واتصالاته المكثفة مع زعماء عرب، ولكن من دون جدوى، وكان الوقت يمضي ثقيلاً، والعالم أجمع ينتظر الموقف السعودي، وحينها كان القرار السعودي المدوي، الذي وصل بالكويت في النهاية إلى تحريرها من العدوان، لتكون السعودية على مستوى الحدث وعلى مستوى قرارها التاريخي.

وفي أزمة اليمن، لم تكن «عاصفة الحزم» مجرد رد فعل أضفى إلى قرار الـ12 من صباح ٢٦ مارس ٢٠١٥، بل كان القرار بعد استنفاد كل المحاولات والطرق مع الأطراف اليمنية، وعلى رأسها الميليشيات الحوثية، التي اجتمع بممثليها السفير السعودي في صنعاء، وأبلغهم باستياء ورفض بلاده ما يحدث من تحركات عسكرية تهدد أمن حدودها عبر تقارير استخباراتية توضح معالم المخطط المدعوم من إيران، وانتظرت السعودية أي بوادر تجاوب، ولكن من دون جدوى، واستمر الصبر السعودي حتى والحوثيون يصلون لمحافظة دماج (السنية)، ويشردون أهلها، ويدمرون منازلهم ومساجدهم، ثم بعد انتقالهم لمحافظة عمران واحتلال كل مفاصلها، بل إن السعودية واصلت أناتها وتركت الأبواب مفتوحة للحوار حتى بعد وصولهم صنعاء واستيلائهم على القصر الجمهوري، الذي كان يقيم فيه الرئيس الشرعي (هادي)، وكانت تلك مرحلة الحوار الأخير، الذي انتهى برسالة جلية واضحة من السعودية بأن أي خطوة أخرى ستواجه بشكل مختلف من دون أي تفاصيل تذكر، ومع ذلك واصل الحوثيون مخططهم الإجرامي الكبير، واتجهوا صوب عدن، وأمطروا قصر المعاشيق وأحياء عدن بالطائرات، في الوقت الذي كانت تقام فيه المناورات على الحدود السعودية، وحينها نفد صبر الحليم وحانت ساعة الصفر.

أما في الملف القطري بمرحلتيه الأولى والثانية، فقد حاولت السعودية بكل ما أوتيت أن تتفادى أي صدام أو تصعيد مع نظام الدوحة، على رغم كل الملفات الإجرامية التي طرحت أمام أمير قطر في الأزمة الأولى، ورحبت السعودية بكل الوساطات، وطوت الملف بعد تعهد الرياض الذي وقّعه تميم، على أمل صفحة جديدة تجبُّ ما قبلها، ولكن كانت النوايا القطرية غير نقية، واستمرت على نهجها السابق ولكن بأسلوب مختلف هذه المرة، إلى أن أوصلوا الرياض لمرحلة نفاد الصبر واتخاذ قرار المقاطعة الشاملة وما ترتب عليه من آثار.

كل هذا السرد التاريخي كان تأصيلاً لمنهج سياسة السعودية أمام كل من يختبر الصبر السعودي، ولكل من يقع في خطيئة تفسيره، ولكل من نسي أو تناسى، ولكل ما مضى وما هو آتٍ، وربما تمثل جانباً من الإجابة على كل من يتساءل عن الموقف السعودي الرسمي من المواقف المتأرجحة والمماطلة والمبتزة من بعض الدول الشقيقة عربية وإسلامية، سواء أكانت من داخل دائرة التحالف أم من خارجه.

 

khaliddrraj@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000