|   

النسخة: الورقية - سعودي

ماذا بقي للصحافة أن تقوله بعد كل أزمة للأمطار والسيول في السعودية، ووسط تفاعل اجتماعي ضخم من الشرائح كافة، وعلى «وسائل التواصل» كافة تخرج الصحافة (في غالبيتها) في الأيام التالية للحدث في تغطيات صحافية ميدانية متنوعة لا تقدم في مجملها ما يمكن أن يتجاوز ما بثه السكان والأهالي عبر أجهزتهم الهاتفية وبأدق التفاصيل! بل إنك تفاجأ بالصحف (معظمها) في صباح اليوم التالي وهي تقدم وجبة باردة (بايتة) لم تضف جديداً للمتلقي، بل وربما كانت مثار سخريته واستهجانه، ليس ذلك فحسب، بل إن الصحافة الورقية أصبحت تعتبر كل هؤلاء (المغردين والـ«مفسبكين» والـ«سنابيين» والـ«واتسابيين») أحد أهم مصادر إلهامها وإعلامها!

وفيما لو تجاوزنا التفرد الفوري لوسائل التواصل بالصوت والصورة الحية والمتحركة، وتركنا المجال للصحافة بحكم طبيعة عملها وقوة مصادرها ومساحة تحركها، لكي تتميز بالمعلومة الجديدة التي يمكن لها أن تجيب على الأسئلة المفتوحة، لكان ذلك منصفاً ومبرراً لكي نقول للناس انتظروا الصحف وتابعوا مواقعها الإلكترونية لتقفوا على الحقيقة، إلا أن شيئاً من ذلك للأسف لم يحدث، بل إنه أسهم في توسيع الفجوة والجفوة بين القارئ والصحيفة، وفي هز ثقته بها، في وقت هي في أمس الحاجة وأشد العوز إلى أي حدث محلي كبير يمكن لها من خلاله أن تستعيد بعضاً من الكثير من فاقدها ونزفها التوزيعي والإعلاني الذي لم يتوقف منذ أعوام!

كان من المتوقع مع المشروع الوطني لمكافحة الفساد - وهو المسمى الذي أحب أن أسمي به الحملة الرسمية لمكافحة الفساد - أن يرتفع الهامش الإعلامي ويواكب المناخ العام في البلاد، الذي حقق نقلة نوعية لدى المجتمع في وعيه وتفاعله ودعمه، ويفتح آفاقاً جديدة لدى الصحف لفتح ملفات عدد من القضايا التي تخص الفساد الإداري والمالي، وتخرج علينا بأعمال احترافية تدعمها الصحافة الاستقصائية، التي تسرد للقارئ «تفاصيل التفاصيل»، وتقدم له الوثائق والأرقام والحقائق، إلا أننا لا نلمس أكثر من استنساخ تغطيات كل عام، وتطعيمها بتحديث الصور وإغلاق ملف التغطيات، مع جفاف السيول والبحيرات، وترك الأسئلة مفتوحة من دون إجابات.

وفي الوقت الذي لا أعمم فيه على الصحف كافة، فإن سير الغالبية منها على ذلك النهج المتراجع في الأداء مؤشر مزعج لنا بصفتنا إعلاميين وكتاباً ومتابعين، وقبل ذلك هو مؤشر محبط للقارئ وللمجتمع، الذي أصبح يملك البدائل للوصول إلى المعلومة، حتى وإن كان قلقاً لحجم صدقيتها، بحكم مصادرها الفردية المجهولة، ولكنه في النهاية سيحكّم عقله ويرتفع في شكل تدريجي بوعيه الإعلامي ليفرق بين الغث والسمين والصحيح والمدسوس.

مما يؤسفني تناوله هنا، وأنا زميل لكثير من رؤساء التحرير ومديري العموم في المؤسسات الصحافية، أن مراكز المعلومات في الصحف (إن وجدت) تحمل مسميات أكثر مما يمكن أن يطلق عليها مصادر معلومات احترافية تعتمد عليه الأخبار والتحقيقات، ولك أن تتخيل فقط أن قصة سيول جدة وملفها الضخم، الذي يعد واحداً من أشهر ملفات الفساد في السعودية، لا تجد له رصداً معلوماتياً دقيقاً لكل تفاصيل الملف، وتجد المعلومات المتداولة في الصحف متناقضة ومبنية على المجهول، بل إن بعض الصحف إلى اليوم، وبعد تسع سنوات من الأزمة، مازالت لا تفرق بين مشكلات السيول المنقولة في جدة وبين مشكلات شبكة تصريف مياه الأمطار داخل المدينة، ومازالت كذلك تعتبر أمانة جدة وحدها فقط هي المدان الوحيد في أزمة كبيرة متشعبة بهذا الحجم، كل ذلك بسبب غياب المنهجية الصحافية، التي تعتمد على التحقيق والاستقصاء وبنائية المعلومات، فالصحافة خلقت لتسأل وتحقق وتتحقق وتقدم للناس الإجابات.

وأختم وأقول.. إن حراك الإصلاح الحكومي في السعودية بات يسير في شكل أسرع مما تسير عليه الصحافة فيها.

 

 

khaliddarraj@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000