|   

النسخة: الورقية - سعودي

< قبل ست سنوات وفي لقاء صحافي أجراه معي الزميل العزيز علي مكي في صحيفة الشرق، وجهت رسالة لأول رئيس لهيئة مكافحة الفساد محمد الشريف قلت فيها نصاً: «يا معالي رئيس الهيئة.. حفظك الله من عيون الناس التي ترقبك ليل نهار.. تفاؤلنا لا يزال قائماً، حتى وأنتم تدفعون بملف العقار خارج هيئتكم.. ولكن المصداقية على المحك.. الشعب يريد نتائج عاجلة.. ويريد إغلاق ملفات ضخمة لا تزال تفتح أفواهها! لقد تأخرتم كثيراً وكأن الفساد مدفون في بقعة من الربع الخالي».. انته.

وعندما أشرت إلى السنوات الست فذلك لا يعني أن الفساد بدأ أو حتى تعاظم شأنه في ذلك الزمن، فهو امتداد لتاريخ طويل كانت مؤشراته تتذبذب صعوداً وهبوطاً وفق المناخ والبيئة ومواقع المسؤولية. وما أودّ الوصول إليه، أن هيئة مكافحة الفساد التي تأسست بأمر ملكي في ١٨-٣-٢٠١١ وصدر بعدها نظام شامل من 14 مادة ووجدت ترحيبا غير مسبوق في المجتمع الذي ظلت تطلعاته بفعاليتها تتضاءل تدريجيا مع مرور الزمن، لم يكن لها أن تسجل أي حراك فعلي يواكب ذلك الدور الضخم المنوط بها، على رغم كل الصلاحيات الواسعة المتاحة لرئيسها ولجهازه المستقل.

وبعيداً عن الأسباب التي أدت لذلك الدور «الصوري» الضعيف لـ«نزاهة» طوال تلك الفترة، فإن من الواجب إدراك أن كل تلك المسؤوليات الجسام التي من أجلها أسست هذه الهيئة لا يمكن لها أن تحقق أهدافها المرجوة من خلال إقرار النظام وتسمية الرئيس من دون أن تكون هناك قيادة تنفيذية عليا تقود بشكل مباشر مشروعاً وطنياً مصيرياً لمكافحة الفساد، لا يمكن لمستقبل البلاد أن ينمو ويصمد وينافس من دون القضاء التام عليه. ومن هنا جاء الأمر الملكي في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) بتشكيل لجنة عليا لمكافحة الفساد برئاسة ولي العهد بتنظيم شامل وصلاحيات كبرى وبعضوية متكاملة من ذوي الاختصاص، كتوجه سام كريم، لإعلان الحرب على الفساد بشكل عملي صارم وبشمولية لا استثناء فيها لأمير أو وزير أو شخصية عامة، وكسابقة تاريخية لم تشهدها مؤسسة الحكم السعودي من قبل. ولم يكن الأمر الملكي هو تفرد تلك الليلة (الأحدية) المشهودة فقط، بل واكب ذلك إجراءات أمنية فورية عدة في توقيف عدد من الأمراء والوزراء والمسؤولين ورجال الأعمال على خلفيات قضايا فساد تأكد معها بما لا يدع مجالاً للشك أن السعودية اتخذت قرارها الفعلي لمحاربة الفساد من دون رجعة.

صحيح أن محاربة الفساد مشروع ضخم جداً، ومعقد جداً، ومتشابك جداً، ويتوزع على حقول من الألغام والأسلاك الشائكة، إلا أن الأكثر صحة هو أن هذا المشروع لم يعد مشروع الحكومة وحدها ومهمة اللجنة العليا فقط، بل أصبح مشروعاً وطنياً حمله المجتمع بكل فئاته وطبقاته وباديته وحاضرته. صباح الأحد (الخامس من نوفمبر) حمله على عاتقه بكل ترحيب وحماسة وتكامل مع الدولة في سبيل تحقيق الحلم الأكبر نحو وطن بلا فساد. أمام هذا «المشروع الإصلاحي» الضخم في الداخل، وإلى جانب المشروع الكبير نحو الهدف الاستراتيجي لتحقيق «رؤية 2030»، تتجه السعودية في الوقت ذاته وعلى جبهات مختلفة نحو ترسيخ سياساتها الخارجية الرامية لمحاربة إرهاب الدولة الذي تقوده إيران وعملاؤها لزعزعة أمن واستقرار السعودية ودول المنطقة، والانتقال من مرحلة التلويح والتحذير والفرص الأخيرة، إلى مرحلة ما بعد التصعيد، وكان في البيان الأخير لقيادة التحالف ما يشير للخطوة المقبلة التي كانت إيران تسمع بها ولا تتوقعها!

- أشكر الزملاء الأعزاء في «الحياة» على تشريفي بالانضمام لقائمة كتابها الأفاضل، آملاً أن يجد قرّاؤها ومتابعوها ما يفيد.

 

 

* صحافي وباحث إعلامي.

 

khaliddrraj@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000