|   

النسخة: الورقية - دولي

عندما مُنح الكاتب الإنكليزي هارولد بنتر (1930-2008) جائزة نوبل للآداب عام 2005 ركزت لجنة نوبل حيثيات الفوز على كون هذا الكاتب مؤلفاً مسرحياً من كبار الذين عرفهم النصف الثاني من القرن العشرين، وعلى اعتبار مسرحه المتنوع إلى حد ما الوريث الشرعي لعدد كبير من تيارات الحداثة المسرحية التي ظهرت في الحقب المعاصرة لنا، بما في ذلك مسرح العبث ومسرح القسوة ثم ذلك المسرح الذي ارتبط باسمه حقاً: «مسرح التهديد». إذاً سمعة بنتر تقوم أساساً على كونه كاتباً مسرحياً ترجمت أعماله إلى عشرات اللغات واقتبست منها أفلام ومسرحيات نال معظمها شهرة كبيرة حتى من قبل أن تغزو تلك الأعمال الشاشات الصغيرة متحققة على أيدي مبدعين كبار من بينهم روبرت آلتمان. ومع هذا لا بد لنا من أن نؤكد هنا، ما لا يبدو واضحاً بما فيه الكفاية في «الحيثيات النوبلية» ولا في السمعة الشعبية التي كانت لبنتر، وهو أن الرجل، بقدر ما كان كاتباً مسرحياً، كان كاتباً سينمائياً ثم تلفزيونياً أيضاً، بمعنى أنه يكاد يشبه في هذا زميلين له سبقاه إلى «نوبل»، غابريال غارسيا ماركيز ونجيب محفوظ. ونعرف أن الثلاثة يتشاركون في السياق ذاته بكون سمعتهم كروائيين تطغى تماماً على سمعتهم كـ «سينمائيين». ونحن نعني هذا حرفياً بالنظر إلى أن كلاً من الثلاثة لم يكتف بأن تُقتبس نصوصه إلى أفلام، بل ساهم بدوره في الكتابة للسينما من دون أن تكون مساهمته، وبالضرورة، مرتبطة بنصوصه الأدبية نفسها.

> إن ما نعنيه هنا بالتالي، هو أن بنتر، كزميليه الكبيرين، اشتغل ككاتب سيناريو بالمعنى الاحترافي الخالص للكلمة: كتب العديد من السيناريوات المأخوذة عن روايات لغيره (وفي حالة محفوظ، مثلاً، نعرف أنه لم يشتغل ككاتب سيناريو، إلا على روايات لغيره تاركاً مهمة اقتباس رواياته الخاصة لكتّاب سيناريو آخرين). والحقيقة أن هذا الأمر أوقع قراء بنتر ومتابعيه في حيرة دفعتهم إلى الاعتقاد دائماً بأنه هو صاحب كل الروايات التي اقتبس عنها سيناريواته، بما في ذلك «الثلاثية» الرائعة التي حققها صديقه جوزيف لوزاي عبر ثلاثة أفلام، لا تزال تعتبر إلى اليوم من أقوى الأعمال السينمائية الاجتماعية التي حققت في السينما الإنكليزية في ستينات وبداية سبعينات القرن الفائت مع أن لوزاي أميركي الأصل كان لجأ إلى بريطانيا هرباً من المطاردات الماكارثية، وبنتر نفسه من أصول تشيخية- برتغالية. ولسوف نرى بعد قليل كيف تمكنت هذه الأفلام من سبر المجتمع البريطاني والتوغل في تراتبيته القاسية من خلال أعمال عمادها الصراع الطبقي منظوراً إليه أخلاقياً. ولكن قبل ذلك دعونا نعود في ملاحظة أخيرة، إلى بنتر «السينمائي» لنقول أن كمّ مساهماته السينمائية- التلفزيونية يزيد على مساهماته المسرحية ومن هنا يبدو دائماً من الظلم للسينمائي فيه أن يُغض الطرف عن هذا الواقع، خصوصاً أن عرفنا أن من بين إنجازات بنتر السينمائية تلك السيناريوات التي كتبها لأفلام مثل «العملاق الأخير» لإيليا كازان، عن سكوت فيتزجيرالد، و «المحاكمة» لدافيد جونز، عن كافكا، و «المخبر» لكنيث برانا، عن مسرحية لأنطوني شيفر، و «امرأة الملازم الفرنسي» عن رواية جون فاولز.

> حسناً، لا شك أن القارئ لاحظ في السطور السابقة «تطبيقاً» لما أشرنا أعلاه من أن السيناريوات التي كتبها بنتر للسينما، كما للتلفزة، اقتبس معظمها عن روايات ونصوص أخرى لغيره من الكتاب، ولسوف يفاجأ القارئ هنا، بالأحرى، بأن الأفلام الثلاثة التي حققها لوزاي وتشكل تلك الثلاثية التي نذكرها في عنوان المقالة، لا ينطلق أي منها من عمل أصلي لبنتر نفسه، حتى وإن كانت، أسلوبياً ومن ناحية الموضوع، بل حتى من ناحية التوليف بين الأحداث، تنتمي إلى عمله المعهود تماماً، ناهيك إلى نظرته القاسية إلى طبقية المجتمع البريطاني. ولقد تجلى هذا، وبقوة على أي حال، منذ السيناريو الأول الذي كتبه بنتر: فيلم «الخادم» (1963) الذي احتاج الأمر يومها إلى التحري طويلاً قبل معرفة أن بنتر إنما هو كاتب السيناريو لا أكثر فيما كانت الرواية لكاتب يقل شهرة عنه بكثير هو روبرت موم. ولقد كان هذا العمل ثمرة أول تعاون بين بنتر ولوزاي اللذين ارتبطا إثر نجاحه بصداقة فكرية عميقة سيتكرر تعاونهما بفضلها في العملين التاليين اللذين سيحققهما لوزاي: «حادث» في عام 1967، و «الوسيط» في عام 1971. ومرة أخرى في «حادث»، ولأن السياق بدا شديد الشبه بسياق أعمال بنتر المسرحية والحوارات أتت وكأنها حواراته، اعتقد كثر أن القصة قصته مع أنها لـنيكولاس موسلي. وأخيراً، مع أن ل. بي. هارتلي الذي اقتُبست منه رواية «الوسيط» كان معروفاً في الأوساط الشعبية أكثر كثيراً من موم وموسلي، اعتقد البعض هنا أيضاً أن الرواية الأصلية من كتابة بنتر!

> إذاً، وكما يقول المثل «لا يقرض الناسُ سوى الأغنياء» عُزيت نصوص تلك الثلاثية إلى بنتر، بل حدث في أحيان كثيرة أن اعتبر هذا الكاتب المشاكس دائماً على المجتمع الإنكليزي، اعتبر المسؤول عن الفكرانية التي تحكم تلك الأعمال الثلاثة وتعطيها نوعاً من سياق أيديولوجي واحد. فـ «الخادم» مثلاً والذي لا ينسى فيه الدور الذي لعبه ديرك بوغارد، بصفته الخادم الذي سرعان ما يسيطر على سيده الثري (جيمس فوكس) مستخدماً في ذلك تلك الصبية الحسناء التي يُدخلها إلى دارة السيد لتتحكم فيه من خلال دفعها عنه ضروب الفراغ والضجر التي يعيش فيها كرمز لخواء الأرستقراطية البريطانية بعد زوال الإمبراطورية وصعود الثقافة الشعبية. وفي سياق لا يبتعد كثيراً عن سياق «الخادم» يدور فيلم «حادث» من حول ثلاثي يتألف من الأستاذ الجامعي (في أكسفورد) ستيفن الذي يرتبط بعلاقات أكاديمية ولكن شخصية أيضاً مع إثنين من طلابه: ويليام الثري المنتمي إلى الطبقات العليا في المجتمع، وآنا الغامضة الحلوة الآتية من النمسا لتدرس هنا. ولئن كان الأستاذ يكن إعجاباً، وربما أيضاً افتناناً بويليام، الذي تغريه لديه تصرفاته الطبقية المبنية على مظاهر اجتماعية مشفرة وصارمة، فإنه في الوقت نفسه يشعر بانجذاب إلى آنا التي يكتشف أن ويليام منجذب إليها أيضاً. وهذا الانجذاب المزدوج سوف يتفجر، وربما في شكل أكثر خطّية ورمزية مما يجب، بفعل حادث سير يصيب ويليام إصابة قاتلة فيما هو عائد ثملاً مع آنا. كان هذا الحادث كافياً لربط العمل بجوهر أيديولوجية «التهديد المبطن» الساكن تحت سطح الأمور كما في معظم مسرحيات بنتر. ولا يفلت، أخيراً، الفيلم الثالث من بين أفلام هذه الثلاثية، من البصمة البنترية حتى ولو كانت بصمة الكاتب هارتلي أكثر بروزاً فيه من خلال التصوّر الطبقي الذي يهيمن عليه علماً بأنه الوحيد بين الأفلام الثلاثة الذي لا يتناول حاضراً شديد القرب منا، بل ماضياً يبدو أبعد قليلاً يعود إلى بدايات القرن العشرين وتدور أحداثه في ريف إنكليزي على عكس الفيلمين السابقين، الأكثر معاصرة ومدينية. ففي «الوسيط» لدينا نوع من مرور زمن طويل حيث أن الشخصية المحورية في الفيلم هي شخصية الفتى ليو كولستون الذي يُروى لنا كيف أنه حين دعي في مستهل صباه إلى الإقامة ذات صيف لدى عائلة رفيق ثري له، عاش في تلك الدارة الريفية الإنكليزية الأرستقراطية، حكاية غرام مرفوض بالنسبة إلى العائلة، بين الابنة الصبية ماريان (الرائعة جولي كريستي في واحد من أدوارها الخالدة) والجار تيد (آلان باتس) المنتمي إلى طبقة أدنى. ولئن كان هذان العاشقان قد استخدما ليو كوسيط ناقل للرسائل بينهما، فإنه هو نفسه كان يستشعر انجذاباً نحو ماريان لن نعرف أبداً ما إذا كان هو ما قاده إلى فضح علاقتها أو أن الفضح أتى على يديه صدفة. المهم إن العلاقة توقفت ليعود ليو إلى المكان نفسه بعد أكثر من ستين عاماً ليجد تيد يكلفه مرة أخرى وأخيرة بإيصال رسالة إلى ماريان، فيوصلها هو الذي بقي طوال حياته وفياً لحبه الصامت لتلك الحسناء التي لم تنظر إليه إلا بصفته وسيطاً بينها وبين حبيبها.

> مرة أخرى، في هذا الجزء الذي سيكون الأخير في تلك السلسلة، صوّر لنا هارولد بنتر ذلك المجتمع البريطاني في انهيار أرستقراطيته وفي التهديد الذي يحيط به، وذلك من خلال صورة إن لم يكن للصراع الطبقي في تجليه الواضح فعلى الأقل لصراعاته الداخلية المبطنة في زمن كان التغير يسوده من داخله... وكأننا هنا نتحدث عن مسرح بنتر نفسه، أليس كذلك؟!

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة