|   

النسخة: الورقية - دولي

يتشارك المعماري الإسباني سانتياغو كالاترابا مع زميلته المعمارية العراقية الراحلة زها حديد، كما مع العديد من أصحاب الحداثة المفرطة في الهندسة المعمارية من الذين ظهروا خلال الربع الأخير من القرن العشرين، في كون إنجازاتهم ستبدو للوهلة الأولى لمن ينظر إليها من على مسافة، وكأنها تماثيل أو صروح تذكارية تتوسط مناطق ستبدو هي الأخرى وكأنها خُلقت أصلاً من أجل استيعاب تلك الأعمال الفنية، والفنية بمقدار ما هي وظائفية. في اختصار اتخذ العمران على أيدي عدد كبير من هؤلاء المهندسين طابعا بالغ الفنية يكاد يبدو أحياناً وكأنه طالع من العدم. ولم يأت هذا الأمر مصادفة على أي حال، حيث يمكننا أن نلاحظ أن العدد الأكبر من هؤلاء المبدعين هم، في الوقت ذاته، فنانون تشكيليون يقيمون المعارض التي غالباً ما تبدو مستقلة عن أعمالهم، لكن تدقيقاً فيها يكشف للمرء أن لا انفصال على الإطلاق. فمثلا في الرسوم الجدرانية التي ميزت السور الذي أحاط لسنوات حتى الآن بالموقع الذي يشيّد فيه مبنى المخازن الكبرى الذي صممته زها حديد وسط العاصمة اللبنانية، ثمة نسخ لبعض رسوم واحد من معارضها التشكيلية. بيد أن الرسوم تلك، الطالعة من تشكيلية خالصة، سرعان ما تجسّدت في جدران المبنى نفسه كواجهات عملاقة. وبالنسبة إلى سانتياغو كالاترابا، الذي هو موضوع حديثنا هنا، حسبنا أن ننظر من على مسافة إلى الشكل الذي يتخذه الجانب البارز فوق سطح الأرض من محطة المترو النيويوركية التي أنشأها في زاوية من المكان الذي كان يحتله مبنيا «برج التجارة العالمي» قبل تدمير الإرهابيين له في أيلول (سبتمبر) 2001، ليخيل إلينا أن ما نراه منحوتة عملاقة تمثل طائراً يبدو وكأن ثمة يد طفل خبيئة تطلقه إلى الفضاء.

> والحال أن هذه المنحوتة العملاقة، إذ بنيت في ذلك الموقع الرمزي، كان من شأنها أن تملأ بالرضا نفس الممثل والمخرج شون بين، الذي إذ شارك في فيلم جماعي حول ذلك العمل الإرهابي، جعل عمله استفزازياً في تعبيره عن قبح المبنيين اللذين دُمّرا وكأنه أراد، بلؤم شديد، أن يحمد ربه لكونهما دُمّرا. وطبعا نعرف أن هذا الموقف الواضح في الفيلم جاء خبيثاً ومتطرفاً. لكننا إن نحينا الجانب الإنساني وكون ثمة جريمة إبادة جماعية في الأمر، وقارنّا بين ما كان عليه المشهد قبل الإرهابيين وما صار عليه اليوم، قد نطلع بنتائج تحمّل ضمائرنا أكثر مما تحتمل! لكن هذا ليس موضوعنا هنا. مرة أخرى، موضوعنا هو ذلك العمراني الكبير الآتي من إسبانيا وتقاليدها الفنية العريقة المدهشة -هي بلد أنطونيو غاودي، بعد كل شيء، أليس كذلك؟- الى تلك الزاوية الحساسة من العالم ليوقّع مشروعين مدهشين في المكان نفسه: محطة المترو التي نشير إليها من ناحية، ولكن من ناحية ثانية مبنى كنيسة سانت نيكولا المقامة في المكان ذاته الذي كانت تشغله بالقرب من برجي التجارة كنيسة روم أورثوذكسيين قديمة دمرها التفجير الإرهابي بدوره. لقد كان مفاجأة حقيقية أن يقع الاختيار في نهاية الأمر على كالاترابا لإعادة بناء الكنيسة التي يلفت النظر ما قاله المطران ديمتريوس عن مشروع إعادة إعمارها: «إن على تصميم هذا الصرح أن يحترم تقاليد الكنيسة الأورثوذكسية الراسخة، إنما من دون أن ينسى أننا نعيش اليوم في القرن الحادي والعشرين». ويقيناً أن المعماري الإسباني الذي يقترب اليوم حثيثاً من عامه السبعين مع أنه يبدو وكأنه نجم سينمائي في شرخ شبابه، يعرف هذا تماماً، ومن هنا إذا كان قد احترم التقاليد الكنسية والرزانة المنطقية التي يفرضها هذا الاحترام في تشييده الكنيسة، فإنه في المقابل أطلق العنان لخياله يشتغل في تشييد محطة المترو، متجاوزاً كل العقبات البيرقراطية التي وُضعت في طريقه، وكل تلك الأصوات التي تعبر عن أعين مفتوحة تراقب كل ما «يحدث» من عمران في تلك المنطقة التي، بضحاياها ودمارها ورمزيتها، باتت خلال عقد ونصف العقد من السنين، واحدة من أصعب المناطق بالنسبة إلى القيود التي توضع في طريق أي تجديد عمراني.

> ومع هذا، «فعلها» كالاترابا، تماماً كما «فعلتها» الراحلة زها حديد من قبله، وكما يتمكن من «فعلها» عدد كبير من أصحاب الأسماء التي باتت اليوم راسخة في عالم العمران الحديث، من فرانك أو. جيهري، إلى آنيش كابور مروراً بريتشارد ماير وجان نوفيل، وصولا إلى فيليب ستارك وشون غودسيل وغيرهم من ورثة لوكوربزييه ونيماير ولويد رايت، من الذين أحدثوا تلك الثورة الجمالية العمرانية التي غيرت صورة العالم: وما فعله كالاترابا هو ببساطة فرض شروط جمالية معينة تعطي صورة مختلفة تماماً عن ممارسة كان من المستبعد لها أن تنتمي إلى الفنون الجميلة المتواكبة مع الإبداع الفردي، لتنحصر في أبعاد وظائفية حتى حين تُصمّم على أيدي عباقرة الماضي من أمثال البارون هوسمان.

> والحقيقة أن محطة قطار برج التجارة العالمي، كما باتت تبدو اليوم، إنما هي المثال الأحدث والأكثر سطوعاً على ما نقول. وفي هذا السياق يقول الباحث الفرنسي فيليب جوديديو، الذي وضع كتاباً جديداً عن كالاترابا -كما وضع من قبله كتباً مماثلة عن جان نوفيل وزها حديد-، أن مشروع المعماري الإسباني كان من مشاريع نادرة تمكنت من أن تفرض نفسها وسط التشابكات البيرقراطية والإدارية وحتى الأيديولوجية والسياسية التي أعاقت عشرات المشاريع الأخرى المزمع تنفيذها في المكان ذاته لتحيط بالمساحة الخالية التي تقرر أن تبقى من دون أي عمران طاغ، كنوع من التذكير الدائم بالجريمة الكبيرة التي اقترفت هناك. ونعرف على أي حال أن تلك المحطة تقام محل المحطة القديمة التي كانت مركز ربط وتبادل لقطارات الضواحي النيويوركية PATH ( port authority trans - Hudson) في ترابطها مع ما لا يقل عن ثلاثة خطوط مترو نيويوركية داخلية. ولئن كان البنيان الداخلي للمحطة قد بقي هيكلياً من دون تغييرات تذكر، فإن الأساس التجديدي هنا إنما يتمثل في المساهمة التي قدمها كالاترابا: الهول الداخلي الكبير الذي يستقبل الركاب ويعلو بثمانية أمتار الحيز السفلي الذي تعبره القطارات. أما ما يعلو الهول الداخلي، الذي أعاد كالاترابا تصميمه كلياً، فهو المحطة التي يغلفها ذلك المبنى الذي تحدثنا عنه أول هذا الكلام: هيكل ضخم من الفولاذ والزجاج له شكل بيضاوي يتضح من بعيد أن له، كما أشرنا، شكل طائر ينطلق نحو الأعالي ( ويبلغ طول المبنى نحو مئة وستة أمتار بعرض لا يقل عن خمسة وثلاثين متراً بارتفاع يصل إلى تسعة وعشرين متراً، ما يجعل المبنى كله كتلة متراصة تظهر واضحة ليس فقط من أي نقطة في الجوار ومن على مسافات بعيدة، بل من الجو بشكل قمين بأن يظهر هذا المبنى بالتدريج وكأنه رمز جديد للمدينة/ التفاحة. وينقل جوديديو عن المعماري أن غايته كانت منذ البداية أن تستخدم الألواح الفولاذية لتدعيم الجدارين الكبيرين المترابطين المتخذين شكل جناحي طائر ضخمين لا يقل ارتفاع بروزهما في الفضاء عن واحد وخمسين متراً، مشكلين سقفاً يمكن فتحه على عرضه حين تسمح أحوال الطقس بذلك، وبالتأكيد كلما جرى الاحتفال بذكرى الأول من سبتمبر. صحيح أن الكتلة التي تشكل الطائر وإمكان فتح جناحي هذا الأخير يعتبران من العلامات الأساسية لفن كالاترابا المعماري المعتاد، ولا سيما في العقود الأخيرة، غير أنهما يتخذان هنا بالتأكيد دلالة رمزية لا مراء فيها.

> وهذه الدلالة الرمزية يقول المعماري إنه كما فعل غيره من المعماريين المحدثين، ورثها بالتحديد من لوكوربزييه الذي يقول إنه يدين له بتوجهه إلى دراسة العمران أول شبابه. فهو المولود في العام 1950، كما حال زها حديد تقريباً، كان يريد أول الأمر دراسة الرسم في مسقط رأسه مدينة بالنسيا «لكني فيما كنت في مكتبة أقلب بعض الكتب، وقع بين يدي كتاب فيه رسوم وتخطيطات باللونين الرمادي والأصفر، وكان كتاباً يتحدث عن أعمال لوكوربزييه. من فوري وقعت في غرام الهندسة المعمارية». وكانت قلبة أساسية في حياته قادته بعد دراسة الهندسة إلى أن يبدأ أوائل سنوات الثمانين مساراً مهنياً مدهشاً قاده إلى إنجازات تتوزع اليوم على ثلاث أو أربع قارات ولا سيما في الأميركتين، بدءا من متاحف وجسور في عدد من الولايات الأميركية وصولاً إلى مجمع الألعاب الأولمبية في اليونان وبرج مالمو في السويد، مروراً طبعاً بمتحف الغد في ريو دي جانيرو.

 

alariss@alhayat.com

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة