|   

النسخة: الورقية - دولي

هناك في عالم الفن التشكيلي وتاريخه مقولة تؤكد أن كثراً من الرسامين، وغالباً من بين كبار الكبار، يحبون أن يرموا في هذه الزاوية أو تلك من لوحاتهم نوعاً من سرّ غامض مرسوم بطريقة موحية أو ملغّزة يفترض أن يكون للمشاهد أن يفسره أو على الأقل أن يفترض وجوده ليبدو في أغلب الأحيان وكأنه يتضمن رسالة معينة يريد الرسام إيصالها فقط الى الذين قد يعتبرهم معنيين بها. ولئن كان في مقدورنا أن نتحدث هنا عن لوحة هولباين الشهيرة، «السفيران» التي تحمل في أسفل مقدمتها رسماً لجمجمة مشوهة المنظور بحيث لا يمكن إدراكها بوضوح إلا لمن ينظر الى اللوحة من زاوية معينة، فإن في إمكاننا في هذا المجال نفسه، أيضاً، التوقف عند عدد من لوحات الرسام الإسباني بيلاسكويث (وتُلفظ أحياناً: فيلاسكويز) لنكتشف كم أن فيها من الغوامض أو اللمحات العسيرة على الإدراك منذ اللحظة الأولى. ففي لوحته «صلح بريدا» على سبيل المثل ستبدو مثيرة للقلق تلك النظرات الغاضبة التي يبادل بها بعض شخوص اللوحة الثانويين من ينظر الى اللوحة، وبالتالي، الرسام نفسه في اللحظة التي كان يُفترض أنه يرسمها فيها (علماً أن الرسام لم يكن حاضراً في المكان حين حدوث المشهد الذي رسمه لاحقاً من الذاكرة!)، كذلك الأمر في لوحة أخرى لبيلاسكويث هي «لاس مينينياس» حيث حيّر وجود بورتريه مزدوج على جدار في الخلفية المتفرجين فلم يعرفوا أبداً أهي مرآة تعكس صورة الشخصين اللذين يصوّرهما الرسام، أو لوحة معلقة هناك. ويمكننا أن نذكر هنا أعمالاً كثيرة لبيلاسكويث وغيره لكننا نتوقف عند اللوحة البلاسكويثية الأكثر إثارة للحيرة والأسئلة وهي تلك المعروفة بعنوانين على الأقل، كل منهما مرتبط بتفسير للوحة يختلف عن تفسير آخر لها. وما نتحدث عنه هنا هو لوحة «الغازلات»، أو «أسطورة آراكين» أو لعل في مقدورنا أن نستخدم العنوانين معاً انطلاقا مما تبدو عليه اللوحة وكأنها لوحتان وغالباً ضمن إطار أسلوب تقني يعرف في الفن التشكيلي، كما في السينما في أيامنا هذه باسم MISE EN ABYME الذي تمكن ترجمته الى العربية بصورة داخل صورة.

> وقبل أن نتحدث عن هذه اللوحة قد يكون من المفيد أن نشير الى أنها لم تكن الوحيدة التي لجأ فيها الفنان الى مثل هذا الأسلوب التقني. ومع هذا يتساءل بعض الدارسين عما إذا كان هذا الأسلوب ماثلاً هنا حقاً، بحيث إن لدينا لوحتين هنا متداخلتين يحاول وجودهما أن يقول شيئاً معيناً يصعب تفسيره في غياب نصّ للفنان نفسه يوضحه. أم أن ما لدينا مشهد واحد في مكان واحد موزع على مستويين توزيعاً ربما يكون تراتبياً، كما يذهب بعض المفسرين. الحقيقة أن ليس ثمة هنا جواب قاطع وإن كانت التفسيرات المتكاملة أحياناً، والمتقاطعة في أحيان أخرى، تختلف باختلاف العصور والغلبة الفكرانية لكل عصر. بيد أن الشيء المؤكد هو أن المشهد في إطاره الأولي هو مشهد مجموعة من العاملات في غزل الخيوط وتصنيع الأقمشة، وغالباً في «مصنع سانتا ماريا الملكي» الذي أسسه الملك الإسباني فيليب الرابع وتولى الإشراف عليه ذات حقبة بيلاسكويث نفسه. وضمن هذا الإطار يبدو المشهد مفهوماً ومنطقياً، ولا سيما بالنسبة الى أصحاب التفسير الاجتماعي الذين يرون أن ما نراه في المشهد منظر طبيعي. فالعاملات في أسفل المكان ومقدمة الصورة يقمن بأعمالهن بهدوء ودعة وهنّ راغبات في أن يظهرن لمجموعة من الزائرات من سيدات البلاط مبلغ جديتهن وانكبابهن على العمل لإنتاج تلك الأقمشة التي منها بالذات سوف تُصنع عما قريب تلك الملابس ذاتها التي ترتديها السيدات. ويمكننا أن نقول إن هذا التفسير الاجتماعي للوحة التي تبدو هنا تسجيلاً فوتوغرافياً لزيارة كريمة، ساد خلال القرن التاسع عشر ولا سيما في فرنسا حيث كانت السيادة للفنون والآداب الواقعية وحيث كان النقاد يرون أن هذه اللوحة تكاد تنتمي الى الفنون الطبيعوية التي كان كوربيه واحداً من سادتها الكبار.

> أبداً! هذا ليس صحيحاً يردّ عليهم أصحاب نظرية ثانية مغايرة تماماً للأولى. نظرية تفسيرية غالباً ما وُصفت بأنها نظرية أسطورية، وتتعلق على الأقل بالجزء العلوي من اللوحة نفسها. فأصحاب هذه النظرية، وكان مؤرخ الفن آبي ووربرغ ناطقاً باسمهم منذ العام 1927، يقولون إن المشهد العلوي يحمل حكاية أسطورية شهيرة بطلتاها، كما يحكي لنا أوفيد في كتابه «مسخ الكائنات»، آراكني تلك الغازلة التي اشتهرت في أزمان الأساطير اليونانية والإغريقية بروعة عملها ودقة غزلها ما أثار غيرة وحفيظة الآلهة بالاس آثينا التي كانت، تبعاً للأساطير، تعتبر الملكة المتوجة لفن الغزل والنسيج، فإذا بها تجد آراكني في طريقها تحقق شهرة واسعة وتتفوق عليها في كل المقاييس. وهكذا إذ حاكت آراكني ذات يوم سجادة بديعة باتت حديث الناس ومحط إعجابهم، لم يكن من بالاس أثينا إلا أن قصدت المشغل حيث تعمل الفتاة لتؤنبها وتمزق السجادة التي كانت تفخر بها. والحقيقة أن ثمة في المشهد العلوي من علاقات بين الشخصيات المرسومة، ناهيك بوجود الجندي الروماني، ما يعزز هذه الفرضية. لكن هذا قد لا يعني أن اللوحة في حد ذاتها أسطورية كلياً في رأي فريق ثالث. إذ، وكما أمكن هذا الفريق أن يفترض، يمكن المشهد كله أن يكون عبارة عن لوحة معلقة على جدار المصنع ما يعيد الى المشهد كله طابعه الواقعي. ومهما يكن من أمر هنا، لا شك في أن المشهد البديع الذي رسمه بيلاسكويث على هذه اللوحة الضخمة المعلقة منذ عقود على جدار فسيح في متحف البرادو في مدريد، ويصل عرضها الى 289 سم فيما لا يقل ارتفاعها عن 220 سم، ينتمي، حتى ولو ناصرنا النظرية «الأسطورية» الى الفن الواقعي ولا سيما في الجانب الذي يشغل من اللوحة تلك القاعة التي يفترض أنها مشغل الغزل والنسيج والحياكة وفيه تبدو العاملات غارقات في العمل من دون أن يغيّبهن هذا الغرق عن شؤونهن الخاصة. ولنتأمل في هذا السياق تلك الفناة المنحنية على عاملة تقوم بعملها الى يسار اللوحة وكأنها تحاول أن تروي لها حكاية خاصة، ومن دون أن ننسى تلك الفتاة الواقفة في جانب من المشهد الخلفي والتي حمّلها بيلاسكويث عبء تلك النظرة المباشرة، الى الرسام ومن خلاله الى مشاهدي اللوحة، النظرة التي اعتاد أن يجعلها حاضرة بهذا الشكل المرح أحياناً، كما الحال هنا، والمقلق غالباً...

> كل هذا يجعل هذه اللوحة، إضافة الى لوحته الشهيرة عن «فينوس» النائمة وتلك التي صور فيها «استسلام بريدا» من دون أن تغرب عن بالنا طبعاً تلك اللوحة الرائعة المعروفة باسم «لاس مينينياس»، بعض أروع الأعمال التي حققها دييغو دا سيلفا بيلاسكويث (1599 - 1660) بل أكثر من هذا، بعض أروع إنجازات الكلاسيكية الإسبانية في عصرها الذهبي، تلك الأعمال التي كانت من دون شك، الرحم الذي وُلدت منه الحداثة الفنية، ولم يكن لفنون القرنين التاسع عشر والعشرين أن تفلت من تأثيراته من مانيه الى بيكاسو. وبيلاسكويث الذي ولد في مدينة سفيللا (إشبيليا) لعائلة من النبلاء متوسطي المستوى تعود أصولها الى البرتغال، تلقى دروساً أساسية في فن الرسم في مسقط رأسه على أيدي بعض كبار رساميها الذين سوف يعتبر منذ البداية من أنجب تلامذتهم. ولنضف الى هذا أن بيلاسكويث لم يتعلم الرسم فقط في محترف أستاذه فرانشسكو باتشيكو، بل غرف من النبع الثقافي الذي كان ذلك المحترف يتّسم به وتعرّف عبره عن كثب الى أعمال مايكل أنجلو وتيشيانو. وهو كان في الثامنة عشرة حين انضم الى رابطة القديس لوقا في مدينته ذاتها، ما سمح له بأن يفتتح مرسمه الخاص. وهو هناك بدأ بتحقيق لوحات «منزلية» على النمط الهولندي ناهيك برسمه لوحات «الطبيعة الصامتة». وكان في الثالثة والعشرين حين قام بأول رحلة الى مدريد ثم الى توليدو حيث التقى لوحات الغريكو وتألملها طويلاً. وهو عاد واستدعي الى البلاط الملكي في مدريد حيث أُلحق كرسام للبلاط. ومنذ ذلك الحين لم يتوقف وحتى موته عن الرسم والسفر، وأحياناً في مهمات ديبلوماسية، كما عن زيارة إيطاليا ليعود منها مرة أخيرة عام 1651 لعُيّن مسؤولاً في القصر الملكي، وظلت تلك حاله حتى رحيله وقد أنجز بعض أروع اللوحات للقصر الملكي هذا في سنواته الأخيرة.

 

alariss@alhayat.com

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة