|   

النسخة: الورقية - دولي

صحيح أن فيلم «ستافسكي» الذي حققه المخرج الطليعي، والتجريبي الى حد ما، آلان رينيه من بطولة جان بول بلموندو عام 1974 لم يحصد فشلاً كبيراً على الصعيد التجاري، بيد أن بطله - ومنتجه - بلموندو لم يكن في ذلك الحين من الذين يرضون بثلاثمئة ألف متفرج في باريس وحوالى أربعة أضعافهم في فرنسا كلها. وهو من ناحية أخرى لم يستسغ أبداً الاستقبال البارد الذي كان للفيلم حين عُرض في المسابقة الرسمية لمهرجان «كان» في ذلك العام. ومن هنا كان من المنطقي له أن يعود بعده الى سينماه التجارية المحببة. أما المخرج رينيه فإنه واصل مسيرته وكأن شيئاً لم يكن. فهو كان معتاداً على مثل ذلك النوع من «الفشل» في سينماه الذهنية والجدية ذات الطابع الثقافي المعقد بالنسبة الى العامة. بل إنه اعتبر، وإن في شكل موارب، أن اجتذاب فيلمه مئات ألوف المتفرجين نوع من فخّ كبير له! مهما يكن، لا يزال النقد حتى اليوم يعتبر «ستافسكي» من أضعف أفلام رينيه حتى وإن وضعه في مكانة متقدمة بين الأفلام السياسية الفرنسية، وربما في مكانة واحدة مع «زد» كوستا - غافراس الذي يبقى مَعْلَماً في هذا النوع من السينما السياسية الشعبية.

> أجل! على رغم أن «ستافسكي» أتى فيلماً يروي جانباً من حياة «نصّاب» دولي، فإنه بدا في الوقت نفسه فيلماً سياسياً. وسياسياً الى حدّ أن زعيم الثورة البولشفية تروتسكي المنفي حينذاك الى فرنسا، يلعب دوراً في حوادثه، كما أن النصّاب ستافسكي نفسه يمضي ردحاً من وقته متآمراً ضد ثوار الجمهورية الإسبانية ومتواطئاً مع السياسات الحكومية الفرنسية، ما يضيء، وربما لمرة نادرة في السينما الفرنسية في ذلك الحين، تلك العلاقة القذرة والبائسة بين السياسة وعالم المال والأعمال. ولكن، لئن كان كثر من الناس مطلعين في فرنسا على ما اعتُرف بتسميته «فضيحة ستافسكي»، فإن المشكلة مع فيلم رينيه كمنت في أنه بدا بالغ التعقيد الى درجة أن المتفرجين عجزوا في لحظات كثيرة عن متابعة الحكاية كما هي، ناهيك بأن إسناد الدور الى ممثل له شعبية بلموندو ويتمتع بحب الناس له، أدى الى مفعول معاكس أفقد البعد السياسي زخماً كبيراً بالنظر الى أنه إذا كان الفيلم يطالب متفرجيه بأن يتخذوا موقفاً ضد النصّاب وفضائحه، وجد الناس أنفسهم يتضامنون مع بلموندو بل يتماهون معه!

> لكن هذا كله لم يُتبيّن إلا لاحقاً وفي ضوء الفشل الذي حصده الفيلم، وربما بخاصة في ضوء الانتحار الذي أنهى في الواقع حياة ستافسكي لكن جمهور هذا الأخير لم يستسغه. ومع هذا كله، إن حكمنا اليوم على الفيلم خارج تلك الاعتبارات، على أهميتها، لا شك في أننا سنجد أنفسنا أمام فيلم مصوّر بعناية أقل ما يمكن أن يقال فيه انه عرف كيف يرسم أجواء سنوات الثلاثين الفرنسية حيث تدور الحوادث الحقيقية. ولربما كان العلامة الأساسية في ذلك، المشهد النهائي الذي بالكاد يمكن أحداً أن يخمن أنه من إبداع مخرج تجريبي من طينة آلان رينيه. وهو يبدأ مع الكوخ الشتوي الذي يقدم إلينا أول الأمر، غارقاً في هدوئه: الثلج يحيط به من كل جانب، لا صوت هناك، سوى صوت حفيف الرياح الآتي من البعيد، ولا أثر لحياة في المكان اذا استثنينا خيطاً رفيعاً من الدخان يعلو السقف القرميدي، لينبئ بأن ثمة حركة ما ها هنا. كان رجال الشرطة يطوقون المكان، من دون أن يقتربوا منه على رغم أن أحداً لم يكن يقاومهم. والغريب في الأمر يومذاك أن رجال الشرطة بالغوا في انتظارهم قبل أن يقرروا، أخيراً، الدخول الى الكوخ. وفي الداخل رأوا بأمّ أعينهم المشهد الذي كانوا يتوقعون رؤيته من دون أدنى ريب: رأوا السيد ألكسندر مستلقياً يتنفس بصعوبة وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، على صدغه دماء تسيل من ثقب، وفي يده مسدس من نوع هيرستال لا تزال فوهته ساخنة. كان من الواضح أن السيد ألكسندر قد انتحر. ولكن كان من الواضح أيضاً أن الشرطة هي التي أعطته، في انتظارها، ما يكفي من الوقت لكي ينتحر. كان من الواضح، بكل اختصار، أن السيد ألكسندر دعي للانتحار، لأن حياته لم تعد مفيدة لأحد، ولأنه لو حدث وألقي القبض عليه، لخرجت من بين شفتيه حكايات ومعلومات تهز الطبقة السياسية الفرنسية بأسرها.

> ذلك أن اسم السيد ألكسندر لم يكن كذلك، بل كان يخفي وراءه اسماً هز الأوساط المالية والمصرفية الفرنسية، ومن ثم أوساط رجال السياسة والحكم، فحياة السيد ستافسكي (وهذا هو اسمه الحقيقي) خلال السنوات الأخيرة من حياته كانت سلسلة من المغامرات وأعمال النصب التي اختلطت فيها السياسة بالاقتصاد والصفقات المالية بالقوانين والاستثناءات الخاصة، وعرفت كيف تورط أساطين السياسة والحركة المصرفية. وهكذا، وكما يصوّر لنا الفيلم، حين انكشف أمر الرجل أخيراً وبات لا بد من اعتقاله، كان من الأفضل التخلص منه بالانتحار اذا أمكن، ولكن بالقتل إذا تبين انه لن يقدم على الانتحار. والأرجح أن الرجل استجاب لدعوة الانتحار لأن الفضيحة كانت هذه المرة أكبر من أن تحتمل. مهما يكن، بدا العصر في فرنسا (كما في غيرها) في ذلك الحين عصر الفضائح المالية الكبرى، العصر الذي اختلطت فيه حياة الناس الشخصية بمغامراتهم لأي نوع انتمت. ولم يكن ستافسكي، إذاً، استثناء لكنه كان الأكثر شهرة والأكثر جرأة والأكثر تحقيقاً للأرباح.

> فالحال أن ذلك المغامر الساحر، الذي وجد منتحراً على ذلك النحو في ذلك اليوم من كانون الثاني (يناير) 1934 في كوخه في شامونيكس وسط جبال الثلج الفرنسية، كان حين قرر غزو الحياة السياسية والمالية الفرنسية لا يغيب عن باله أنه غريب آت من روسيا وانه سيظل يعتبر غريباً وسيعامل معاملة الغرباء إلا إذا كون لنفسه ثروة يشتري بها الناس ودهاقنة السياسة، ولقد ساعده على ذلك ذكاؤه الشديد، وطمع العديد من رجال الحكم في فرنسا ذلك الحين، من الذين كانوا على الدوام في انتظار من يحركهم ويستخدم نفوذهم ثم يقاسمهم الأرباح. وستافسكي كان على استعداد دائم للعب اللعبة، ولم يردعه عنها حتى ولا انتحار أبيه، طبيب الأسنان، في 1926، حين علم بأولى فضائح ابنه المالية. كان ستافسكي مغامراً أفاقاً لا يردعه رادع، ولقد زاد من جرأته زواجه من الحسناء آرليت سيمون، ومشهد فرنسا في ذلك الحين بوصفها بلد «أموال سائبة تعلم الناس الحرام». ومن هنا راح يركض، من بلدة الى مدينة، متنقلاً بين البنوك والبلديات. فيما كاميرا الفيلم تتابع تنقلاته ونجاحاته. وكانت الوصفة بسيطة: في ذلك الحين كانت المصارف البلدية مخولة بأن تقرض الناس أموالاً كبيرة مقابل رهونات يودعونها لديها، ثم تصدر مقابل تلك الأموال صكوكاً تباع للمستثمرين بضمانة الرهونات. وكانت لعبة ستافسكي تقضي بأن يصدر من الصكوك ويبيع للجمهور، كميات تفوق قيمة الرهونات بكثير، وذلك بالتواطؤ مع رؤساء البلديات (الراديكاليون- الاشتراكيون منهم) ومع مديري المصارف الذين كانوا ينالون حصصهم. والأدهى من هذا أن ستافسكي كان يستخدم أموال البلديات لإقراض البنوك، ثم أموال البنوك لإقراض الناس... الخ.

> بعد إفلاسات عدة انكشفت لعبة ستافسكي الذي كان خلال السنوات الأخيرة من عمره، يستخدم الأموال لخوض حياة عابثة يتنقل خلالها بين كان وبياريتز ودوفيل، (وهي حياة صورها المخرج آلان رينيه في شكل رائع في فيلمه الذي يكرس جزءاً أساسياً منه لرواية ذلك الجزء من حياة ذلك المحتال الأفاق)، وصدر أمر بالقبض على الرجل. وراحت الجماهير تؤلب ضده من جانب الروابط القومية اليمينية المتطرفة التي وجدت في يهوديته مادة رائعة لدعاياتها المعادية للسامية. وسادت فرنسا تظاهرات عنيفة فبات لا بد من القبض عليه. ولكن كان من الواضح أنه لو قبض عليه حياً، سوف يتكلم ويفضح كبار القوم. إذاً، لا بد من التضحية به، وهكذا أعطته الشرطة ما يكفي من الوقت لكي ينتحر. ومع ذلك، سادت الفضيحة وسقطت رؤوس، وسقطت الحكومة المتواطئة معه، وعثر على جثث أخرى قيل إنها لأناس انتحروا وقيل إنها لأناس نحروا، واعتقلت الفاتنة زوجة ستافسكي، وكان من الممكن للفضيحة أن تتواصل لولا أن أتى حكم الجبهة الشعبية اليساري فلف القضية برمتها لتعود سينما رينيه وتعيدها الى الحياة وإن في فيلم حار متفرجوه مع من يقفون!

 

alariss@alhayat.com

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000