|   

النسخة: الورقية - سعودي

< كان ريان مبتعثاً يدرس في أميركا، بينما أخوه خالد وأخته سارة في جامعات الرياض، حين انقض المرض الأليم على شقيقته وزهرة حياة بيت «علي وشيخة». كانت صدمة مريعة للعائلة الوديعة، التي طال ما أحبت الناس وأحبوها، وسرعان ما هب الأصدقاء والصديقات وأبناؤهم وبناتهم للاطمئنان على ابنة أصدقائهم، بل هي بمثابة ابنتهم، وكانت لحظات عاطفة يتسامى بها الإنسان فيختفي أي خلاف عابر أو حتى مشادة عنيفة، فنحن نعلم ألا عقاب يوازي ما عمله أي منا، لكي تصاب ابنته ومهجة قلبه بهذا المرض!

لم تستسلم تلك الصبية الرائعة سارة لهذا الغدر من المرض، بل كانت أكبر مشجع لأهلها، أمها - وكما تعرفون قلب الأم - وأبوها وهو العاشق لابنته، اتحدا مع ابنتهم وخالد، و«دروع» من القلوب المحيطة بهم من أقاربهم وأصدقائهم ليقاوموا أصعب عاصفة تمر بمنزلهم الصغير، وأصبح بيتهم مزاراً يتوافد عليه الأقارب والأصدقاء يومياً.
قال الأطباء إن المرض في بدايته، وقابل للعلاج، والمسألة ستستغرق علاجاً مدته ستة أشهر، والآمال كبيرة جداً بالقضاء على أية جرثومة تتسلل إلى «محبوبة» الجميع، وكانت لحظات جياشة وعاطفية، عادت الآمال بقوة، والقضية أصبحت مسألة وقت.
الأب والأم وخالد وأربع من صديقاتها الحميمات حضروا جميع جلسات الجرعات الكيماوية، وفي كل جلسة تقوم صديقاتها الرائعات بعمل احتفال بها، لكي يمحين أي أثر يمر بها من ألم أو إحباط أو يأس أو ملل، يدعمهن خالد بكل محبة، متجاهلاً كل ارتباط له بأصدقاء أو زملاء أو خلافه، مفضلاً العناية بسارة في «إيثار».
وعودة إلى ريان، إذ كان في أميركا، غير أن قلبه كان ينبئه بأن هناك شيئاً ما يتم إخفاؤه عنه، إذ كانت العائلة تفضل عدم إبلاغه، بينما كان في معمعة الدراسة والبعد، فما الفائدة التي كان سيجنيها إلا الحزن والقلق والتشتت، وبعد مضي ثلاثة أشهر عاد خلال إجازة أعياد الميلاد في أميركا ليقضيها في زيارة العائلة، واكتشف ما أخبره به قلبه، وبطبيعة الحال كان غاضباً بشدة من عدم إبلاغه، إلا أن حزنه على مرض أخته كان أكبر، وهنا كان دور الأخ الأكبر (سيحتفل بالـ24 عاماً قريباً) عندما حضر جلستين علاجيتين، اللتين توافقتا مع إجازته، ودعم أخته بكل مشاعر الأخ السند والصدر الحنون، وكم كان جميلاً وهو يحقق مع الأطباء في وضغ أخته الصحي، الذين طمأنوه عليها وأنها تتجه في الطريق إلى الانتصار الساحق على معضلتها، ولم يغادر ثانية لإكمال دراسته إلا بعد أن ترك شقيقته تحلق شعره بيدها، قبل أن تبدأ مرحلة سقوط شعرها، قائلاً لها: «لو كان بيدي أن أحمل الألم لحملته»، وتحول البيت إلى موجة ضحك ودموع لهذه اللفتة، التي مهما كانت بساطتها فهي دعم معنوي كبير. نعم دور الأخوين طبيعي، بل وواجب، لكننا في زمن غارق في الأنانية والذاتية، فنسعد حقاً ونطرب بما صنعاه.
يا الله! لم نحن نقسو على أبنائنا؟ كم غالبتني دموعي، وزوجتي تخبرني عما قاله ريان لأخته، هذه اللمسات العاطفية الأخوية تزرع بنا الفخر والتفاؤل بهذا الجيل، وإن كنت أرتعب أحياناً من هذا الانهماك بالآلات والألعاب أو مواقع «إنترنت» أو التواصل الاجتماعي، فإن جيل أبنائنا يثبت أن الشمعة التي تسلموها منا ستواصل وهجها ولن تنطفئ.
لا شك في أن علياً وشيخة الآن يشعران بالسعادة من ترابط أطفالهما ويشعران قطعاً بالرضا على نفسيهما، فهما من ربّى، وها هو الحصاد يثمر أبطالاً، صدقوني أن هذا هو الإنجاز الحقيقي، وليس ما يمارسه بعضهم من ضغوط على أبنائه لدرجة التوتر لكي يحصل على أعلى الدرجات، مع التسليم بالاهتمام بالتعليم قطعاً.

 

 abofares1@

 

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
الأحرف المتبقية: 1000
مقالاتالأكثر قراءة