|   

سر «السرطان»

Print A+ a-
الجمعة، ٢٢ كانون الثاني ٢٠١٠ (١٨:٥٢ - بتوقيت غرينتش)
الخميس، ٠١ كانون الثاني ١٩٧٠ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش) علي القاسمي

كشف التقرير التجميعي الذي يعده المركز الخليجي لتسجيل السرطان عن معدلات إصابة بالمرض في دول مجلس التعاون اقتربت من 70 ألف حالة، حصدت منها السعودية على النصيب الأعلى لمعدل الإصابة، إذا ما تعاملنا مع الرقم على انفراد، وتراجعت للترتيب الثاني إذا ما أخِذَ المتوسط الحسابي بالنظر لعدد السكان. الحقيقة صابون القلوب كما يقال وهي تبوح بعجزنا عن إعداد دراسة جادة وبحث جريء لوضع مسببات المرض - ولو المبدئية منها - على طاولة التشريح والحذر وبث الحماسة على الكشف الباكر. نشاطنا الجاد الظاهر في العلاج حين نُفجَع بالمرض ملاحظ ومُشاهد، ونزيفنا المالي الذي يُصرَف لمراحل العلاج الطويلة معلوم، قد تقلصه رؤية واضحة عن السبب في ظل ازدواجية الآراء الاجتماعية وقراءتها الخاطئة المتسرعة لمسببات المرض مما يخيف ويقلق ويحفز للتحامل والتحدي والهروب من اكتشاف المرض سريعاً، والسرعة في الاكتشاف هي ما يرفع العامل النفسي من حال الهبوط المفاجئة طمعاً في الشفاء الباكر قبل أن تتوسع رقعة المرض وتتوقف الحماسة للعلاج لتزايد مساحة الكابوس.

لماذا لا تتوجه وتتوحد الجهود لمسح ميداني ومعاينة جغرافية لبحث المعدلات المرتفعة وكشف أسبابها والعلاقة التي تجعل الأرقام مرتفعة هنا وضئيلة هناك؟ يدفعني لنبش زاوية السبب في المرض والتحمس لها التصريحات المجانية المتناقضة التي يتبرع بها جزء من مجتمعنا لتحليل ابتدائية المرض؛ فأحدهم يرى أن الحروب والتلوث ومخلفاته أسباب أساسية للنمو والازدياد، وآخر متحمس يرى مخلفات حرب الخليج، وثالث يعتقد أن المعدلات تتزايد للغازات المنبعثة من مصانع النفط! كل هذه الرؤى ستصيب بالهوس والجنون والخوف الباكر والهروب من أي كشف، والبعد عن كل ما يقترب من السبب زماناً ومكاناً، حتى لا يقتل الإنسان المتفائل وسواس المرض.

أسكن مدينة حالمة في الركن الجنوبي الغربي بعيداً عن الحرب والتلوث والغازات ومصانع النفط، وأعرف كثيراً من الذين جمعتني بهم جغرافيا الجبل والطين، غادروا الحياة بسبب هذا المرض وغيرهم بقوا ونجوا، لاكتشافهم - «بالمصادفة والخوف» - البذور باكراً ليبدأوا ويواصلوا العلاج بحماسة واجتهاد، ما يجبر عقلي على ألا يقبل واحداً من الرؤى الثلاثية السابقة والتفكير بحيادية ومجدداً.

الأمر الغائب عن الذهن «كمتناقض رابع» وأطرحه كرأي شخصي قابل للنقاش والحوار بين رجال الدين وأهل الطب هو: «انتشار الحسد والسحر والعين»، ولن أغلّب هذا الجانب إلا بعد ما يؤول له جهد بحثي ودراسة مستقلة، يُعَد لها انطلاقاً من مكان الاستقرار والظروف المعيشية للمريض، لنعرف أين يوجد المركز الأعلى في نمو المعدل على امتداد الخريطة الوطنية؟ وأين هو المكان الأقل نمواً؟ ومن ثم نكشف هل كانت تصريحات مجتمعنا محقة؟ فنبدأ في العلاج خطوة بخطوة، أم أن طرحي البسيط الجريء المتواضع في محله وكان نائماً عن النقاش؛ لإيماننا بأن المرض ابتلاء! أشعر بحاسة سادسة تخبرني أن السبب قريب ويمكن حله، وهو وراء 11 ألف إصابة سنوية بالمرض في بلدي، يقابلها قلة عدد أسرة في مستشفياتنا للكشف العاجل، وحصرٌ مجتهدٌ لبوصلة العلاج في المركز، وإجبار أهل الأطراف على مشاق السفر والتعب والوساطات والشفاعات من أجل علاج. وبتهميش الفائت من هدر الكلام لنتعب قليلاً في مسح مكاني وجغرافي ودراسة جادة، ونعرف الناتج الصريح لمعدلات النمو، فنقنع من يرى ضرورة نقل مراكز العلاج للأطراف، ونؤمن حينها بجدوى ثباتها قناعة في معدل النمو، وتكشف معها الأسباب بالتدريج!

alialqassmi@hotmail.com

Tags not available