|   

الخوف من هؤلاء

Print A+ a-
الثلاثاء، ٢٩ كانون الأول ٢٠٠٩ (٢٠:٦ - بتوقيت غرينتش)
الخميس، ٠١ كانون الثاني ١٩٧٠ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش) علي القاسمي

من إحدى ميزات المواطن السعودي طغيان العاطفة على كثير من التصرفات، ولا عيب إن قلنا بأن المجتمع عاطفي تذيبه كلمة وتخيفه أخرى، ثقتنا بالوجوه والأجساد لخلق انطباعاتنا الشخصية الثابتة تتجاوز ثقتنا بالعقول والقدرات، الثقة بيننا تُمْنَحُ سريعاً ولا يستلزم منحها إلا موعظة حسنة وكلمة طيبة، في ظل التأكيد الدائم في أن الأخيرة صدقة، ما قادني لبحر العواطف ومراسي الثقة استغلال «الفئة الضالة» لعواطف الناس ومشاعرهم أثناء الكوارث وتمرير ألعابهم وخبثهم وخططهم، لأن الطيبة فطرة خالصة في جسد هذا المواطن المتضامن تلقائياً بمجرد أن يتقاطع الحدث مع إنسانيته الخالصة وفطرته النقية. «الخوف من هؤلاء» حين تخفي وجوههم المغرية نيات خبيثة، وأهدافاً بعيدة ورسماً فاضحاً لملامح الدناءة في اصطياد مشاهد كهذه بصورة فيها من اللؤم ما يكفي مدى العمر. المحتاج يصرخ، والوجع يتفاقم والمآسي تتوالد، وبيننا من الضالين المضلين من يستغل كل هذا ويندس من بين صور التعاطف والتضامن الشعبي، ليمول الأعمال الإجرامية ويخطط لمآسٍ متنوعة ويقصي الآخر ويسيء ويقتل. «الخوف من هؤلاء» لأنهم يهدمون في لحظات ما بُنِيَ لسنين طويلة، ولكونهم موجودين بيننا يأكلون ويشربون، يتحدثون ويبكون، يقررون وينفون، يجاملون ويكذبون، يسرون ولا يعلنون، هم عن يميننا ويسارنا بهيئات تبعث على الاطمئنان وتشير للأمان، ينفثون سمومهم تحت عباءة الدين، ويتعاطفون بالقدر نفسه من التعاطف إن لم يكن أكثر، مظاهرهم لا نجرؤ على نبشها وكشفها واستخلاص مخابرهم الحقيقية، هم يحضرون كأنقى الناس وأبسطهم وأكثرهم توجعاً وإنسانية، وهم بهذا السقوط العفن للمشاعر والأحاسيس يحاولون تمرير فكرهم النشاز الشاذ، والمداومة ظهوراً بالهيئة الفاتنة واللسان المعسول. «الخوف من هؤلاء» ليس لتمكنهم من تمرير أفكارهم وخبثهم، لأن وقت التمرير يقابله وقت مضاد مليء بالعمل والجهد والتضامن والتماسك والتعاون، ولذا فالآذان مفتوحة لسماع ما يقولونه.

المأساة ضربت بأطنابها ولم تترك فرصة واحدة للإنصات، الخوف يكمن في التقاطهم العطاء والمعونة والتبرع من أيدي المحسنين، في ظل انشغال تفكير أهل الإحسان بالحادثة واجتهاد عناصر الضلال في عمل سري لتفريغ الجيوب الممتدة بالفطرة وحس المواطنة الحقيقية للتنظيم والتخطيط والإمداد للأشرار. أعرف أننا لن نغير نبرة تعاطفنا، ولكن لنغير اندهاشنا المجنون بالمظاهر، فنحن مشاركون حين تذهب كل هذه المساعدات والتبرعات للمكان الخطأ وبقيادة العاطفة منفردة بعيدة عن حسابات العقل، نحن مسؤولون عن بساطتنا ومشاعرنا وعواطفنا الزائدة إذا انطلقت بلا معاينة والتفات ومعرفة بالتفاصيل البعيدة، فالباب الرسمي المسؤول عن الجمع والمعونة يفتح أبوابه وواضح المعالم، فيما هؤلاء لا يدخلون منه، يأتون من الممرات السرية، وفي اللحظات الحزينة ومن خلال المنابر الخفية لاستقطاب النيات واللعب على نبضات القلوب. نحن مسؤولون إذا دعمنا المجهول، ووقفنا معه حتى وإن كان ذلك بحسن نية، لأنهم يتعاملون بكل ما يحسب ضمن خريطة الطهارة باستثناء «حسن النيات»، وهي عماد العمل، ومن الآن لنسجل موقفاً في تفعيل الرقابة الذاتية وملاحقة المتلاعبين وإيقاف الضمائر الميتة، ولا عذر لمواطن أن يضع ولو ريالاً واحداً في يد مشبوه أو مكان مجهول، فنياتنا طيبة إنما من يضمن صلاح نيات الحثالة المخادعة؟!



alialqassmi@hotmail.com

Tags not available