|   

«تربية وطنية» و«تربية بدنية»

Print A+ a-
الجمعة، ١٨ كانون الأول ٢٠٠٩ (١٧:٥٣ - بتوقيت غرينتش)
الخميس، ٠١ كانون الثاني ١٩٧٠ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش) علي القاسمي

لست مع إضافة كتاب واحد جديد لحقيبة مدرسية، أو لحزمة كتب يلفها الطالب بإحاطة سجادة مهترئة؛ لأن حسابات الحقيبة - لظرف المراهقة - تنقل شيئاً من الخجل، وتعيد حاملها للصفوف الأولية تلك التي تجاوزها كمرحلة عمر، وكيلا يظل طيلة سني الدراسة مرتبطاً بحقيبة! ما غادر بي إلى هذه الرؤية اليومية كتاب التربية الوطنية حين أضيف قبل سنين إلى قائمة المناهج من دون أن يضيف شيئاً سوى زيادة في الحمل، هذا إذا ما كان كإخوته الكتب غير المتصالحة مع رغبات وعقول الطلاب، حين تستريح نهاية كل يوم دراسي وتنام كل مساء في درج الطاولة لعدم احتوائها على ما يغري بالذهاب إلى غرفة منزل، لتنحصر العلاقة بالكتاب في ساعات الصباح. تحتفل مناهجنا الدراسية بمفردة «التربية» كموصوف ثابت لصفتين مختلفتين هما «البدنية» و«الوطنية» - ولن أتجاهل الصفة الثالثة «الفنية» التي تتوقف عند مرحلة دراسية متوسطة - ولذا لا تُستَغرَب الممارسات التي قدمها شبابنا في الاحتفال باليوم الوطني، حين تشابهت تماماً مع مظاهر الاحتفال بانتصار رياضي، وتفشي ظاهرة التشجيع كمشترك بين مشهدين، وكأن مفهوم الوطنية محصور في انتصار!

سأترك دراسة هاتين الصورتين لطرح مقبل، وأطالب في البدء بأن نجرد الوطنية من مفردة التربية، ونستبدل بها ما يصل للقلب مباشرة، حتى لا تتداخل الرغبات والطموحات، وتؤخذ واحدة بمعية الأخرى، أو نربط بين متضادين في الطرح والشرح، الأولى تنتج عضلاً ونشاطاً والأخرى تصنع روحاً وطموحاً، التربية البدنية سلوك وثقافة وتنفيس، والوطنية تنفس ودم يجري وعرق يصب، قد يحسب الربط مستحيلاً ما بين تربيتين، ولكن اجمعوا ما بينهما واستخلصوا الثقافتين عبر أسئلة يومية ليظهر الفارق تحت تشابه الموصوف، ومساواة الصفتين في الهم، والطموح والرغبة والمعلومة وحتى الحماسة، الأنثى لم تحظَ ضمن مناهجها بشيء من التربيتين فالأولى تتصادم مع مجتمعها وتعتبر جديداً ساخناً سيقف الجمع الغفير في وجهه بحزم وعزم، والأخرى كانت حصراً على الذكور، على رغم أن الأنثى تثبت نجاحاً يوماً بعد يوم، في مشاريع وطنية، وحملت بجهدها ثقافة متكاملة في هذا الجانب، على رغم أن حقيبتها الأنيقة لم تحمل صباحاً واحداً كتاباً لتربية وطنية، على أنها نصف مجتمع ونصف وطن.

بحثت عن سبب يقنعني على الأقل بذكورية التربية الوطنية، على رغم أن الأوراق الناجحة - بالمقارنة لمساحة الحرية - في مصلحة الأنثى والوطنية كمنهج تعليمي انضمت لحقائب الذكور بلا معايير نجاح أو رسوب، بل بما يشبه تغطية خانة شاغرة باستيقاظ متأخر، لو استبدلنا بكل كلمة «تربية» تسبق الوطنية مفردة ثقافة، فربما نقفز بالحس الداخلي إلى منطقة أكثر حماسة ونضع اعتباراً أكثر إغراءً، وإن استبدلنا بالكلمة نفسها المحبة فهذا محرك للمشاعر والأحاسيس ودليل أناقة في المظاهر والتصرفات. قاسٍ جدا أن تقول لمواطن: إنك بلا تربية وطنية، ولكن من المقنع أن تسحبه وتقصّ له مضاعفات النقص في فيتامينات حب الوطن، لتشير إليه أن حبه لوطنه ينقصه الكثير. الهدف أن ننقل الوطن في الدماغ الطري من تربية وشعور بالنقص والوقوف عند نقاط اكتفاء مرتبطة بسن وتصرفات المراهقة، إلى محبة وثقافة عالية ترتقي بالإنسان درجة درجة. الفارق بين التربية والثقافة أو التربية والحب عند مصطلح الوطنية، فاصل حقيقي يكبح التصرفات باكراً، ويضاعف النتائج الإيجابية، ويوسع زوايا الرؤية، لتكون الصورة مدهشة متكاملة أنيقة، كل هذا على استمرار تسليمنا بأنه لا بد من إدخال الوطنية بوصفها منهجاً تعليمياً مستقلاً، مع أن الفائدة والهدف سيتحققان إن تمكن فريق العمل من إدخال هذه الثقافة أو المحبة في المناهج الأخرى، أو من التعاون مع المؤسسات الأخرى المتقاطعة مع المصالح اليومية.



alialqassmi@hotmail.com

Tags not available