|   

قلق... خوف... تعليم

Print A+ a-
الثلاثاء، ٠٨ كانون الأول ٢٠٠٩ (٢١:٢١ - بتوقيت غرينتش)
الخميس، ٠١ كانون الثاني ١٩٧٠ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش) علي القاسمي

استعدت المدارس ومنسوبوها بمراحلها الثلاث في تعليم محافظة جدة بخطط طارئة، حتى لا يفوّت طلابها المنكوبون حصيلة معلوماتية مختلفاً عليها، وتتعطل مسيرة عام دراسي مهم من مراحل عمر تبقى لحظاته المقبلة بعلم الغيب. يُشكَرُون فرداً فرداً - بدءاً من منبرهم الإعلامي الأول - على أن كانت هذه الخطط والاستعدادات جاهزة مدروسة لاستيعاب الطلاب، وضمن أجندة التخطيط وأوراق العمل، والأهم تزعمها أولويات أسهم التفكير بشكل فعلي وعملي وإنساني، تاركاً لهم هنا حرية ترتيب أولويات التفاعل في ما مضى. يُشكرون حين استبقوا الأسئلة بعمل جاد، مع خوفي من أن يكون العمل مقصوراً على توفير طاولة دراسية وكتاب مدرسي، وتوزيع موزون على الفصول والغرف. ليس المهم ما سيفوتهم من حصيلة دراسية مغرية كانت أم عكس ذلك! إنما الأهم كيف يمكن للطلاب المعنيين أن يجدوا بالمجان قلماً وورقة من دون أن يهلكهم بَحث، ويقهرهم سؤال جاهل، وهم في غمرة العيش بسكن موقت، يحتاجون معه للتأقلم قبل الخوض في التعلم! ما يحتاج له هؤلاء المتضررون الأحياء ألاّ يذهب جُل الجهد في تلقين أو تعليم يَدخُل من الأذن اليمنى ويغادر من الأخرى، لأن الذاكرة مليئة بِصُوَر المأساة، والوجع يبلغ حداً متناهياً لا يسمح لمعلومة دراسية واحدة أن تستقر في الدماغ البشري. لا نضع تمرير العام الدراسي وتجاوزه أهم من معالجة الأضرار النفسية المترتبة من فضيحة السيول، تلك التي التصقت بذاكرة الجسد، وطَبَعَت أحداثها بما يستوجب مراعاة نفسية عالية المستوى وتعاملاً إنسانياً بالغ الحساسية والرقي، وتعويضهم بشيء بسيط مما كانوا يتساوون به مع أقرانهم في الطابور الصباحي الجديد ذات يوم سابق قريب، مضاعفات ما التصق بالذاكرة وطُبِعَ باللون الأسود هي الأهم في مراحل الاحتواء، للاحتفاء بأرواح صغيرة كلما كَبُرَت كَبُر معها الألم، إن لم يجد علاجاً مناسباً تحت رعاية المؤسسة التعليمية "الحاضنة"، ومساعدة والتفات الجهات ذات العلاقة؛ هرباً من أن تنكأ الجراح باهتمامات ليست في الطليعة، ولن تكون هناك ما دام العامل النفسي في درجة الصفر المئوية، أو أقل من ذلك.

خبراء النفس يؤكدون زيادة حالات الاكتئاب والوسواس، وظهور حالات قلق واكتئاب وهلوسة بين بعض الأشخاص الكبار، قد تؤثر على وظائف الجسم المختلفة، وتم أيضاً رصد أطفال مصابين بالذعر والخوف والتبول غير الإرادي، ومن يذهب للمدرسة لن يكون بعيداً عن مثل هذه الظواهر والحالات المقلقة المتضاعفة، ولن يتغاضى أو يصرف النظر ويعتبرها حالات عادية ستزول بمرور الأيام. من شاهد المأساة وجهاً لوجه يختلف عمن لمحها أو التقاها عبر أي وسيلة إعلامية، فالحالات النفسية لا تعتمد على توقيت ما، بل هي متدرجة على ساعات اليوم بلا لحظة ثابتة، لا يستدعي وجودها إلا طرقاً خفيفاً للذاكرة، وسحباً خجولاً للأسماء والأماكن. الأسر تمر بأسوأ مراحلها، والتجاوز لمراحل السوء يتطلب وقفة حقيقية مدروسة مخططاً لها، لضم الأجساد الصغيرة في المدارس، ونقلها بالتدريج إلى محطات تفاؤل ومدرجات ارتقاء إنسانية عملية.

وَضْعُ "طلاب جدة" صورة استثناء وحيدة في المشهد المحلي، ومن الخطأ أن يُتَفَاعَل معها بخطط طارئة، محاورها الأساسية ضَمٌ الطلاب لمدارس بديلة، ومراجعة المناهج، وتعويض النقص المعرفي.

لنركز في "الاستثناء الوحيد" على العامل النفسي فهو المؤثر والأخطر لمستقبل قمبل هم ضوؤه، وكيف لنا أن نُحْرَم من الضوء!

alialqassmi@hotmail.com

Tags not available