|   

محاربة «المفسدين»

Print A+ a-
الجمعة، ٠٤ كانون الأول ٢٠٠٩ (١٩:٢٠ - بتوقيت غرينتش)
الخميس، ٠١ كانون الثاني ١٩٧٠ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش) سعود الريس

إلى وقت قريب كنا نتمنى أن يقع ما يدعو لكشف بؤر الفساد المتفشية في بعض الدوائر، لكن لم يكن أي منا يتمنى أن تُزهق أرواح ثمناً لذلك. اليوم لا يمكن أن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء، فما حدث قد حدث، وقد دفعنا لنقف على أعتاب مرحلة جديدة قديمة من شأنها أن تدعم المسيرة المباركة لهذه البلاد، وقد يحدث أن يتكشف المزيد من صور الفساد، وهو أمر طبيعي، فنحن لسنا مجتمعاً ملائكياً، لذلك لا يجب أن يكون مفاجئاً إذا ما وقع.

المطلوب الآن أن ندرك حجم الآفة التي نتعامل معها، وقد تطال تبعاتها أرواحاً بريئة لا حيلة لها، وذنبها الوحيد أنها حضرت في المكان الصحيح في التوقيت الخطأ. هذا هو الجانب المظلم في الموضوع. أما الجانب المشرق فهو الموقف الأبوي الذي اتخذه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، في مواساته لأسر الضحايا، للتخفيف من حجم معاناتهم. ولهذا الجانب أيضاً وجه آخر يوضح حجم الشعور بالمسؤولية التي يتمتع بها، فلا أخفيكم أننا منذ صغرنا تعودنا على إلقاء المسؤولية على الآخرين، فالمدير يُلقي باللائمة على الأصغر منه، والأصغر بدوره على من يليه صغراً، والأخ الأكبر على شقيقه الأصغر، وهكذا. قليل منا من يعترف بخطئه، لكن خادم الحرمين يذهلك بإصراره على عدم تخفيف تلك المسؤولية، بل إنه يتعامل معها بوصفه مسؤولاً مباشراً على رغم أن ما يفصله هيكلياً عن كل جهاز تتجاوز مسافته بعد جدة عن الدمام، وهو بذلك يقدّم نموذجاً رفيعاً للمسؤول، وكيف ينبغي أن يكون، وأيضاً يلقّن أبناءه المواطنين فضل معرفة الخطأ، وضرورة تصحيحه. ذلكم هو عبدالله بن عبدالعزيز، رب كل أسرة في هذه البلاد، يحزن لحزنها، ويفرح لفرحها، في وقت لم يعد حتى أرباب الأسر الفعليون يشاطرون أسرهم أفراحهم وأتراحهم.

إننا جميعاً مقصرون، فلا يعقل أن نرى الفساد ونسمع عنه ونمارسه، ثم نشيح بوجهنا بعيداً عنه، ما دام لا يمسنا، ثم نبدأ بالصراخ والعويل إذا ما أصاب أحداً منا. و محاربة الفساد ليست من الأمور المستحدثة في بلادنا، وأستغرب من أولئك الذين اعتبروا أن بداية مكافحة الفساد انطلقت من مأساة جدة، فما خلفته هذه المأساة في واقع الأمر يعدّ تُفعيلاً لقرارات سابقة، صدرت عن مجلس الوزراء لمحاربة الفساد، ففي غرة شهر صفر من العام 1428هـ، وافق مجلس الوزراء على الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد، التي تهدف إلى تحقيق حماية النزاهة ومكافحة الفساد بشتى صوره ومظاهره وتحصين المجتمع السعودي ضد الفساد. وفي 22 من الشهر ذاته صدرت عن المجلس بنود الاستراتيجية وأهدافها، التي تضمنت شرحاً وافياً عن الفساد وآلية محاربته وسبل تعزيزها. كما تطرقت إلى خطوات عدة لتحقيق أهدافها، منها إنشاء هيئة وطنية لمكافحة الفساد لمتابعة تنفيذ الاستراتيجية، ورصد نتائجها وتقويمها ومراقبتها، ووضع برامج وآليات تطبيقها. وقيام الأجهزة الحكومية المعنية بحماية النزاهة ومكافحة الفساد بممارسة اختصاصاتها، وتطبيق الأنظمة المتعلقة بذلك، وتقليص الإجراءات وتسهيلها، والعمل بمبدأ المساءلة لكل مسؤول مهما كان موقعه وفقاً للأنظمة. تلك الاستراتيجية كانت موجودة لدينا، لكن ينقصها التفعيل، وعلى رغم أن تفعيلها جاء متأخراً، إلا أنه يبقى هو القرار الصائب في هذه المرحلة، ومما لا شك فيه أن الطفرة التي عشناها خلال الفترة الماضية، أسهمت في شكل كبير في تعاظم أطماع ضعاف النفوس من جهة، وهدراً للمال العام من جهة أخرى، من خلال تنفيذ مشاريع فاشلة لا تحتاج إليها البلاد، أو لم يتم درسها بشكل واف. لذلك؛ ومع تفعيل تلك الاستراتيجية هناك حاجة ماسة إلى تشكيل مجلس أعلى في كل منطقة، يتولى درس واعتماد ومتابعة أي مشروع يتم إقراره، فمن خلال ما مضى اتضح جلياً أن ترك المجال لجهة واحدة في درس المشاريع وإقرارها وترسيتها ومتابعتها، قد يؤدي إلى كارثة قد تودي بعروس أخرى «لا سمح الله»...!

Srayes@alhayat.com

Tags not available