|   

الأغنية الوطنية... جندي مفقود!

Print A+ a-
الجمعة، ٢٠ تشرين الثاني ٢٠٠٩ (١٩:٣٠ - بتوقيت غرينتش)
الخميس، ٠١ كانون الثاني ١٩٧٠ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش) سعود الريس

بحثت عن أغنية وطنية حديثة تتحدث عن حال الحوثيين ومن خلفهم، فلم أجد لهم أفضل من أغنية «دقني دقني» لتعبر عن واقعهم جراء دق أعناقهم من صقورنا في جنوبي البلاد، لكن أن يتراقص على أنغامها مجموعة من الشباب في مكان عام، فيما أبناؤنا في مواجهة مع ذلك العدو، فهم بحاجة لمن يدق أعناقهم.

المشهد الأخير طرح علي سؤالاً أحرجني عن موقع الأغنية الوطنية القومية في قاموسنا، فهل نكتفي بـ«دقني» ونحولها إلى أغنية قومية، أم نكتفي بأغنية «فوق هام السحب» وبضع أغانٍ أخرى خرجت معها قبل سنوات؟ ترى أين كتابنا وشعراؤنا ومطربونا الذين أصبحوا «أكثر من الهم على القلب»، من الراحل فهد بلان وهو ينشد «ويلك يا اللي تعادينا يا ويلك ويل»، وهي التي عدها البعض بأنها كانت سبباً في إثارة مشاعر الكبرياء في الأوساط العربية بعد حال الإحباط التي خلفتها نكسة حزيران (يونيو)، وبجانب فهد بلان مَنْ يمكن أن يتجاهل فيروز وهي تغني للبنان وفلسطين وتلهب المشاعر بأغانيها تلك؟ ومَنْ يمكن أن يتجاهل الأغاني القومية التي تغنى بها مطربون مصريون خففت من وقع الأزمات والنكسات التي تعرض لها العرب؟ وأيضاً الكويت التي كانت خلال فترة الاحتلال تشحذ همم مواطنيها بأغانٍ وطنية ألهبتهم وعززت من وحدتهم وتصديهم للعدوان. معظم دول العالم لها أغانيها القومية، لكنني اليوم أقولها بصراحة: إننا نفتقدها هنا في المملكة، طبعاً لا يعني انعدامها أننا لا نرتقي لمرتبة الولاء والشعور بالوطنية، لكن حضورها يبدو مهماً، على الأقل لتنتشلنا من الغث الذي أزكم أنوفنا.

القصور اللافت في الأغنية الوطنية، كشفته لنا الأحداث الأخيرة، وللتوضيح بصورة أكبر، فالمتأمل لن يستغرق طويلاً للتوصل إلى أن ما يحدث في جنوب المملكة الآن، وعلى رغم مرارته إلا انه أكمل المشهد السعودي للمتابع من الخارج، فقد عرف عن السعودية ثقلها السياسي والديبلوماسي والثقافي والرياضي والاقتصادي، لكن الثقل العسكري بقي لغزاً غامضاً على رغم القناعة بأنه يملك جميع إمكانات التفوق وأدواته، في المقابل وعلى الصعيد الداخلي أدرك كل مواطن حجم وقوة الجدار الحديدي الذي تشكله قواتنا المسلحة، بيد أن حجم التفاعل الشعبي مع ما يحدث لم يصل إلى المعدل الطبيعي الذي ينبغي أن يكون عليه، أو على الأقل لا يبدو واضحاً على رغم وجوده، وفي خضم سعي وسائل الإعلام المكتوب لنقل صورة متكاملة من أرض المعركة، يتضح أن ذلك الجهد غير كافٍ قياساً بما يحدث على الأرض، ويتضح من هنا أن المقالات والبرامج الحوارية مهما كانت بلاغتها إلا أنها للأسف لا تكفي لشحذ الهمم بالشكل المطلوب، لأنها ببساطة تخاطب شريحة قد تتفق أو تختلف مع طرح أحدهم، على العكس تماماً من الأغنية الوطنية التي تعتمد عادة على مخاطبة الشعور والوجدان؛ ما يميزها عن أية وسيلة أخرى.

الأغنية الوطنية ليست وسيلة للرقص أو الاسترخاء، بل على النقيض تماماً من ذلك، فدورها تعبئة المجتمع وشحذ هممهم، وقد يبدو الأمر لبعضهم تافهاً، لكنني أثق بأنه ليس أكثر تفاهة من الأغاني الهابطة التي تنتشر ويتم تداولها على نطاق واسع، بل والرقص على إيقاعها. وهنا أعتقد أن هناك دوراً رئيساً على عاتق وزارة الثقافة والإعلام، فهي من يمكن لها أن تدعم هذا التوجه وتشجع عليه من خلال جمعيات الثقافة والفنون، ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية. فما الذي يمنع أن يتم تقديم فقرات غنائية وطنية كل نصف ساعة خلال فقرات البرامج التلفزيونية، لاسيما تلك الموجهة للشباب مثل القناة الرياضية؟ وأرى أن مثل هذا الحراك ضروريٌّ في هذه المرحلة، فمن الجيد ألا يشعر الشعب بالمواجهات العسكرية في الجنوب أو أنه في حالة حرب، لأن ذلك الشعور يجسد دليل نجاح وسيطرة على زمام الأمور، لكن في واقع الأمر لابد أن نعيش هذه الحرب بكل تفاصيلها، فهي تمسنا ونحن بصريح العبارة نريد أن نشارك، على الأقل، من خلال تخصيص جزء من تفكيرنا ودعائنا وحتى رقص بعضنا ما دام يهوى ذلك، لكن ليس على «خليلو، و... دقني»...!



srayes@alhayat.com

Tags not available