|   

تحريض الإنسان...!

Print A+ a-
الجمعة، ٠٩ تشرين الأول ٢٠٠٩ (٢٢:٥٧ - بتوقيت غرينتش)
الخميس، ٠١ كانون الثاني ١٩٧٠ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش) سعود الريس

من الأمور اللافتة التي تعيش في جنباتنا، أن المتهم لدينا دائماً ضحية، ومادام الأمر كذلك، فإلى وقت قريب، وتحديداً قبل إلزامية التأمين، كان ينبغي لنا مراعاة أن من اصطدم بسيارة أخرى، ولم يقصد، فوقع الحادث، بالتالي يجب أن نتنازل عنه لهدف إنساني «والحمد لله على السلامة يا إخوان الحديد يتعوض والصلح خير»، ومن ضرب آخر وتسبب في إعاقة دائمة أو موقتة له، لم يكن يقصد أذيته لكنه فقد أعصابه وبالطبع يجب أن نغفر له... «الله يلعن الشيطان»، ومن قتل آخر لم يكن القتل هدفاً لكن الأمور تطورت وفقد الرجل أعصابه فقتله «فنأمل أن تتنازلوا عنه لأنه من الأشخاص الذين يخافون الله ولا يترك فرضاً وذو أخلاق دمثة، و... و... وكثيراً من الصفات الحميدة.

كثيرة هي الصور لدينا التي يمكن أن تجسد ثقافة المتهم الضحية، لذلك بات هذا الأمر مدخلاً لقضايا أكثر تشعباً وأكثر تعقيداً من خلال تداولها والانقسام حولها، ولعل آخر تلك الحالات ما أثارته جمعية حقوق الإنسان من جدل بشأن تنفيذ عقوبة تعزيرية، أقرتها جهة مخولة نظاماً بحق أفراد ارتكبوا «جريمة» الشغب في مناسبة عزيزة أمام عشرات الآلاف من المواطنين والمقيمين، ممن وجدوا في الواجهة البحرية لمدينة الخبر.

القصة كان من الممكن أن تسير في مسارها الطبيعي، فالجهة المخولة، وعطفاً على ما لديها من معلومات، ارتأت عقوبة تعزيرية - ليست حكماً - بحق المتورطين في تلك الأحداث جراء فعلتهم الشنيعة، لكن ذلك الإجراء لم يرق لجمعية حقوق الإنسان، فخرجت بتصريح على لسان أحد مسؤوليها، ينتقد ذلك القرار صراحة، ويطالب بتنفيذ الأحكام القضائية فقط.

قبل الخوض في التفاصيل، لا أكتب دفاعاً عن وزارة الداخلية أو عن قراراتها، فهي لديها القدرة على توضيح ملابسات ما حصل إن ارتأت، وليست في حاجة للتبرير أو انتداب من يتحدث عنها، لكنني كمواطن أجد نفسي مع القرار قلباً وقالباً، وتم في هذه الصحيفة نشر الرأي الشرعي حياله على لسان أحد القضاة البارزين، وعقوبة التعزير معلومة لدى الجميع باستثناء جمعية حقوق الإنسان كما يبدو، فالانتقاد الذي ساقته الجمعية وأصرت عليه في بيان لاحق، يوضح جانب القصور لديها، سواء في معرفة الأحكام الشرعية، أو في قانون العقوبات، وبخلاف هذين الجانبين، فقد كان حرياً بالجمعية أن تقف على مسافة واحدة من الأطراف كافة، لأن صفة الإنسان تنطبق أيضاً على اولئك الذين تضرروا، وتم الاعتداء عليهم، وتم نهب وتدمير متاجرهم، ولا تقتصر على أولئك الذين تم جلدهم.

جمعية حقوق الإنسان تخرج علينا من وقت لآخر لتعلن أن أبوابها مفتوحة لكل من لديه شكوى، وهذا جيد في حد ذاته، لكن أن يكتفي أعضاء الجمعية بالقضايا التي تردهم وهم في مكاتبهم ويبنون عليها مواقفهم، دون تكلف عناء البحث والتقصي، ففي هذا تهاون كبير في حقوق الإنسان الذين يتبنون قضاياه، وكنت افترض أن يتوجه أحد الأعضاء الكرام إلى المتضررين على الأقل، أو أن يتلقوا الشكاوى التي ألمحوا لها ويسعون لمتابعتها مع الجهات المعنية لمعرفة حجم الجريمة التي ارتكبت كأضعف الإيمان عوضاً عن المتاجرة بهم.

مشكلة جمعية حقوق الإنسان لدينا أن شعارها من «سبق لبق»، فمن يبدأ بالشكوى إن راقت لهم، فهو على حق، مهما جانبه الصواب، وهذا بحد ذاته يضعف من موقفها ويجعلها عرضة للنقد والاستخفاف، ويحبطنا نحن الذين ارتسمت في أذهاننا منذ تأسيسها صورة وردية عن الدور الذي من الممكن أن تقوم به.

في فرقعتها الإعلامية الأخيرة كنا نتمنى من الجمعية أن تُظهر حرصها وحميتها لأولئك الذين تم الاعتداء عليهم، لكنها عوضاً عن ذلك حوّلت المذنبين إلى ضحايا، ولا نعلم حقيقة من المستفيد من تحريض اولئك الأهالي على أنظمة وقوانين يقرها الإسلام الذي نشأت عليه البلاد، هل هو الإعلام الغربي الذي سيجد مادة خصبة في ذلك الانتقاد، يعززه جهلة بالشريعة، أم وراء الأكمة ما وراءها...؟ وبغض النظر عن كل ما سبق ذكره، نأمل أن تتعامل الجمعية مع ما ورد هنا بأنه حرية رأي، تكفله مواثيق حقوق الإنسان التي يفترض أنهم يراعونها.

srayes@alhayat.com

Tags not available