|   

اجتهادات إسلامية معاصرة في أصول السلام العالمي

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: إبراهيم البيومي غانم 

ارتفاع أصوات جماعات الغلو والتطرف المنسوبة للإسلام يكاد يترك انطباعاً واحداً عن المسلمين في عمومهم هو: أن «السلام» لا يعني المسلمين في شيء، وأنهم ما خلقوا إلا للحرب والضرب. والمفارقة المروعة هنا هي شيوع هذا الانطباع الخاطئ في اللحظة نفسها التي باتت أكثرية ضحايا العنف والاحتراب من المسلمين أنفسهم. وهنا محاولة لتقصي بعض الاجتهادات الإسلامية المعاصرة التي ظهرت في شأن أصول السلام العالمي في فترة ما بين الحربين العالميتين، واستمرت في الظهور إلى ما بعد انتهاء الحرب الثانية بسنوات قليلة.

تنصُّ آيات القرآن المجيد، وأحاديثُ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على أن البشرَ جميعاً ينتسبون إلى أبٍ واحد وأم واحدة. ويجمعُ قدماءُ علماء الإسلام ومحدثوهم على هذه الحقيقة، ويعتبرونها مُسَلَّمةً من المسلمات الراسخة غير القابلة للدحض عند ذوي الفطرةِ السليمة. وعلى رغم بساطة هذه الحقيقة وقوتها؛ إلا أن كتابات رواد الإصلاحية الإسلامية الأولى حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري/ الربع الأول من القرن العشرين؛ تكاد تخلو من الإشارة إليها ربما باعتبارها مسلمة لا تقبل النقاش. أما رواد التحديث وأصحاب الدعوات «الحداثية»، فيتجاهلونها أحياناً، ويذهبون إلى عكسها أحياناً. وبعضهم راح يقلد بعض الحداثيين الأوروبيين في التأصيل لاختلاف الأعراق البشرية وعدم تماثلها في الخلْق والأخلاق والحقوق والواجبات. وكان القرن التاسع عشر شهد موجة من الكتابات الفلسفية والاجتماعية والبحوث البيولوجية الحداثية التي تزعم عدم مساواة البشر في أصل الخلق، وكان الفرنسي آرثر دي جوبينو أشهر من تزعم هذا الاتجاه في كتابه «مقال في تفاوت أجناس البشر».

كانت عقودُ النصفِ الأول من القرن الرابع عشر الهجري (الثلث الأول من القرن العشرين الميلادي تقريباً) مسرحاً لظهور النزعات العنصريةِ المتطرفة (النازية والفاشية)، والقوميةِ المتشددة (الطورانية، والفارسية، والعربية، والصقلبية، والسلافية)، والاستعلائيةِ المتكبرة على الغير (شعب الله المختار)، والطبقيةِ (البروليتاريا). وكانت هذه النزعات من أسباب الحروب الدامية التي راح ضحيتها ملايين من البشر، في حربين عالميتين مدمرتين، وفي ما بينهما.

أما تلك الحقيقةُ التي تؤكدُ انتساب البشر جميعاً إلى أصل واحد في الوعي الإسلامي فلم تكن كافيةً -بحد ذاتها كنصوص واردة في الكتاب والسنة- في مواجهة تلك النزعات، من دون تقديم قراءة معاصرة لها، ومن دون صوغ خطاب فلسفي وفكري وسياسي في نورها. ومن ثم كان لا بدَّ من إحيائها وتوظيفها في الخطاب العام، وفي مقارعة أنصارِ تلك النزعات العنصرية التي أسهمت بالفعل في تمزيق وحدة الأمة الإسلامية أولاً، وباتت تهدد أيضاً البشرية كلها بمزيد من الصراعات والحروب الدامية، التي تهلكُ الحرث والنسل وتنشر الفساد في الأرض؛ على نحو مضاد لغايات الإسلام ومقاصده في أن تنعمَ الإنسانية بالأمن والسلام والاستقرار والعمران.

وكان من أخطر الأفكار الرائجة آنذاك أن حضارة الغرب الحديثة، هي مستقبلُ العالم؛ بما فيه الشرق وشعوبه الإسلامية. ومثلتْ هذه الفكرةُ تهديداً مباشراً يستلبُ عالمية «الإسلام»، ويغلق الطريق أمامَ عموم رسالته للإنسانية، ويشعل نيران العنصرية. وقادَ بعض المستشرقين مثل فرانتز بول، وجاستون وايت، وسندورس حملات ضاريةً للتأكيد أن الإسلامَ «رسالة للعرب» من دون غيرهم، وأن خطاب الإسلام خطابٌ محلي، وليس عالمياً. وإلى جانب ذلك؛ كانت هناك نزعة القومية والعنصرية والفوضوية الشيوعية؛ تهدد «عالمية الإسلام» أيضاً تهديداً عملياً بتمزيق وحدة أمته، وتفتيت الروابطِ العقيدية والنفسية والتاريخية والمصلحية بين شعوبه. وكان هناك أيضاً خطرٌ ثالث تمثل في صعود نزعات الاستعلاء القومي وادعاءات التفاضل بين البشر على أسس الانتماء العرقي أو الديني (النازية- والفاشية- وشعب الله المختار)، وهي نزعات تتناقض مباشرة وعلى طول الخط مع تأكيدِ الإسلام أن البشرَ جميعاً سواسيةٌ وأصلَهم واحدٌ.

سعى دعاة الإصلاحية الإسلامية الثانية خلال النصف الأول من القرن الرابع عشر هجري/ ثلاثينات القرن العشرين تقريباً. إلى التذكير بتلكَ «الحقيقة»، والتنبيه إليها في تلك الفترة. وقد دأبوا على التعبير عنها بعبارات مقتضبة حيناً، ومفصَّلة حيناً. وانتقدوا مفهوم «القومية» باعتبارها تعني عصبية الدم وعنصرية الجنس، وأوضحوا أن هذا المعنى لا يصلح كأساس لبناء الوحدة، أو لتحقيق السلام العالمي. ونسوا أن الناسَ لآدم، وآدم من تراب. وكانت لديهم نظرات ثاقبة في شأن الأخطار التي تنطوي عليها النزعات العرقية والعنصرية، ولم يغفلوا في الوقت نفسه عن أن البيئاتِ الطبيعية والحوادث الكونية جعلت لكل أمة خصوصيتها ومميزاتها العنصرية. وذهب عدد منهم من أمثال طنطاوي جوهري، ومحب الدين الخطيب، وعبد العزيز جاويش، وشكيب أرسلان، ومصطفى عبد الرازق، وجار الله موسى، والطاهر بن عاشور، وعبد الحميد بن باديس، وحسين الجسر،...إلخ إلى ما مفاده أن الرقيَ الفكري، والتقدمَ النفسي، والتغلبَ البادي من الإنسان على عناصر الطبيعة وقواها ستؤدي بالناس إلى تقديرِ هذه الصلةِ في ما بينهم، وستجعلها يوماً من الأيام مبدأً لهم، وجامعة تجمعهم. ويشهد على ذلك ما نشروه من بحوث ومقالات في مجلات تلك الفترة وبخاصة مجلة «الفتح»، و «المنار»، و «البصائر»، و «الشهاب».

وغداة انتهاء الحرب العالمية الثانية أسرع هؤلاء إلى تقديم قراءة متعمقة لكيفية إدراك السلام العالمي انطلاقاً من أصول الوحدة الاجتماعية للبشر، فقد قرر الإسلام الحنيف أن ثمة أصلين يربطان كل إنسان بكل إنسان بصرف النظر عن اختلاف الألوان والأوطان. أولهما هو الآدمية التي تنسب البشر جميعاً إلى أب واحد وأم واحدة، وثانيهما هو الصلة الربانية التي تجعل هؤلاء البشر جميعاً عباد الله الواحد القهار، وأكرمهم وأعرفهم به وأتقاهم له أنفعهم لهم قال تعالى: ﴿»يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا،إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13). وبعد سنوات قليلة تحقق ما توقعوه- جزئياً ونظرياً على الأقل- وذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948، الذي نص على وحدة الجنس البشري ومساواة البشر في الحقوق والواجبات، وأكد أن أول خطوة في طريق بناء السلام العالمي هي إقرار وحدة الأصل الاجتماعي للبشر جميعاً.

كان رواد الإصلاحية الإسلامية في تلك الفترة يطرحون أفكارهم عن السلام العالمي ضمن رؤيتهم الأشمل لـ «عالمية الإسلام» ذاته، وفي إطار المهمة التي يتعين على الأمة الإسلامية أداؤها للإسهام مع الأمم الأخرى المحبة للسلام في إنقاذِ البشرية من الأحقاد العنصرية وآثارها التي تهلك الحرث والنسل. وأعادوا التأكيد مراراً وتكراراً أن الإسلامَ قرر وحدة الجنس والنسب للبشر جميعاً؛ فالناسُ لآدم، ولا فضل لعربي على أعجمي، وأن حكمة التقسيم إلى شعوب وقبائل إنما هي التعارفُ لا التخالف، والتعاونُ لا التخاذل، والتفاضلُ بالتقوى والأعمالِ الصالحة التي تعود بالخير على المجموع والأفراد. وأن الله تعالى يطالبُ عباده جميعاً بتقرير هذه الحقيقة ورعايتها، والشعور بحقوقها، والسير في حدودها. وأن القرآن الكريم يقدم هذه المعاني جميعاً في بيانٍ ووضوح، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُم رَقِيبًا﴾ (النساء:1). ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة الحجرات:13). ويقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: «إن الله قد أذهبَ عنكم عِبْيَةَ (بكسر العين وسكون الباء وفتح الياء) الجاهلية وتعظمَها بالآباء والأجداد. الناسُ لآدام وآدم من تراب». ويقول: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبيةٍ، وليس منا من ماتَ على عصبية».

ذلكَ هو حب حصيد اجتهاد كبار رواد الإصلاحية الإسلامية الثانية. ولرُبَّ سائلٍ يسألُ: وما الجديدُ الذي قدموه والمسألة واضحة وضوح الشمس في آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ إن الجديدَ لم يكنْ في إقرار «الحقيقة» التي تحدث عنها القرآن وقررتها الأحاديث النبوية بكل تأكيد؛ وإنما هو في المبادرةِ إلى الكشف عنها والتذكير بها، وصوغِها في خطاب فكري عام، وتنبيه الأذهان والعقول إليها في مواجهة الأفكار الداروينية- والداروينية الاجتماعية تحديداً- التي كانت رائجةً في أوساط النخب الثقافية والفكرية من جهة، وفي مواجهةِ أفكار أمثال آرثر دي جوبينو، مؤلف كتاب «مقال في تفاوت أجناس البشر»، وكتاب «الرينسانس». وجوبينو هذا هو نفسُه الذي أرسى أبشعَ نظرية عنصرية في العالم الحديث، وذهب إلى أن الجنسَ الأبيض، والآري تحديداً، لا يشتركُ مع بقية الأجناس في أصل واحد، وأن أبناءَ الأبيض/ الآري وحدهم هم الآدميون، وغيرهم لا يمتون للآدمية بأدنى صلة وتأثر به قادة الأنظمة الفاشية والنازية والعنصرية.

لم تكن آراء جوبينو ونظرياته في «عبادة الأجناس» مبنيةً على أسس علمية قوية. ومع هذا انتشرت في سائر بقاع العالم الأوروبي وفي مناطق أخرى خارجه؛ من منتصف القرن التاسع عشر، إلى فترة ما بين الحربين العالميتين تقريباً. وتوطدت أفكارُه عن الاستعلاء العنصري؛ بخاصة أنها لم تجد أفكاراً قوية مناهضة لها، فالكنيسة الغربية كانت باتت عاجزةً عن القيام بدور فعال في مواجهتها في أوروبا على الأقل. وأضحى القانونُ والعدالة مجردَ شيئين نظريين في سياق احتدام المنافسات بين القوى الاستعمارية، وبات الفنُ للفن، لا للتهذيب ولا للتنوير. وأمسى العطفُ على الفقراء وهماً عاطفياً؛ ولم يعدْ يقف أمام أفكار مثل أفكار جوبينو شيءٌ، أو هكذا ساد الاعتقاد في الأوساط الثقافية والسياسية.

وكانت المشكلة المركزية لرواد الإصلاحية الثانية هي أن مثل تلك الأفكار وجدت طريقها إلى مجتمعات الأمة الإسلامية، وتسربت على يد النخب التغريبية والقومية العلمانية في ما بين الحربين العالميتين. ومن هنا تتضح أهمية المبادرة في تلك الفترة بخطاب إسلاميٍ أصيل يتصدى لها، ويذكِّر ببديهية وحدة الجنس البشري وانتسابه لآدم وتكريم الله لكل بني آدم، وأنهم جميعاً سواسية، ونبذ الظلم والعدوان، وأن الإقرار بهذه الأصول هو الخطوة الأولى التي لا غنى عنها نحو بناء صرح السلام العالمي.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
الأحرف المتبقية: 1000
 

مقتل صحافي بالرصاص أثناء بث مباشر في نيكاراغوا  |  بتوقيت غرينتشوفاة «عميدة سن البشرية» المفترضة عن 117 عاماً في اليابان  |  بتوقيت غرينتشوفاة الممثل الأميركي القصير القامة فيرن تروير عن 49 عاماً  |  بتوقيت غرينتشالنائب العام المصري يأمر بحجب «الحوت الأزرق»  |  بتوقيت غرينتشوفاة نائب أردني وزوجته و3 من أبنائه في حادث سير  |  بتوقيت غرينتشوفاة فتاة وإصابة 12 شخصا نتيجة عاصفة في موسكو  |  بتوقيت غرينتشناتالي بورتمان ترفض تسلم جائزة في إسرائيل  |  بتوقيت غرينتش«آبل» تعرض استبدال بطاريات بعض أجهزة «ماك بوك برو»  |  بتوقيت غرينتشتشريح جثمان فادي البطش غداة اغتياله في ماليزيا  |  بتوقيت غرينتششيكات بـ5 آلاف دولار لركاب طائرة انفجر محركها أثناء الرحلة  |  بتوقيت غرينتش